نبوءة الثمانينات…من “الإلوهية المزعومة” للإنسان إلى وَهم “المركزية الرقمية”

وفقاً للقراءة التقليدية للتاريخ، تُعتبر السبعينات عقد الانكسارات الجيوسياسية والتسعينات عقد التحولات البنيوية الكبرى، بينما تظهر الثمانينات في الذاكرة الجمعية كحقبة من الصخب البصري والاستهلاك المفرط. غير أن القراءة العميقة تكشف عن حقيقة مغايرة تماماً؛ فالثمانينات لم تكن مجرد عقد عابر، بل كانت “اللحظة الجنينية” التي وُلد فيها إنسان القرن الحادي والعشرين؛ ذلك الكائن الذي استبدل التدين التقليدي بـ “إلوهية الذات”، والقدر المكتوب بـ “إرادة التغيير الفردي”.
فالثمانينات دخلت المسرح العالمي وهي تحمل تناقضاً وجودياً حاداً. فمن جهة، برز مرض نقص المناعة المكتسب (الإيدز) كإعلان صارخ عن هشاشة البايولوجيا البشرية وقرب “النهاية” (The End). ومن جهة أخرى، وفي رد فعل سايكولوجي عنيف على هذا التهديد، حدث انزياح معرفي غير مسبوق؛ فبدلاً من العودة إلى الدين المؤسسي، أو الانكفاء على الإلحاد العدمي، ظهرت حركات “العصر الجديد” (New Age) لتقدم صيغة ثورية مفادها “أن الإله ليس في السماء، بل في داخلك”. لقد كانت الثمانينات هي البداية الحقيقية لنبذ فكرة التدين التقليدي وذلك عبر الخضوع لـ “إلهٍ متعاليٍ” تمثل الأجندة البشرية جزءاً ضئيلاً من خطته الكونية الشاملة. وبدلاً من ذلك، تم إحلال “إلوهية الذات”، حيث يصبح الإنسان هو المعيار والمشرّع، حيث لم يعد بحاجة إلى سلطة خارجية تملي عليه أخلاقياته، بل صار يستمد “نوره” من حقيقته الجوانية!
ولم تكن هوليوود في تلك الحقبة بمنأى عن هذا المخاض؛ بل كانت المختبر الذي صاغ “نبوءة” الفرد القادر على قهر المستحيل. ففي أفلام مثل The Terminator و Back to the Future، تحول “الإنسان العادي” إلى كائن يمتلك صلاحيات إلهية. فلم يعد الزمن قدراً محتوماً لا يُرد، بل صار في يد “مارتي مكفلاي” خامة قابلة لإعادة التشكيل والتصحيح. ولم يعد بقاء النوع البشري مرهوناً بإرادة عليا، بل بصلابة “سارة كونور” وقرارها الفردي. لقد غرست هوليوود في الوعي الجمعي فكرة أن فرداً واحداً، بامتلاكه المعرفة أو الأدوات الصحيحة، يمكنه أن يقلب موازين الكون ويمنع الهلاك المحتوم.
إن ما نشهده اليوم في العصر الرقمي ليس سوى “التحقق الكامل” لـ “نبوءة” الثمانينات. فلقد قدمت التكنولوجيا والوسائط الاجتماعية لـ الإنسان (الإله المزعوم) الأدوات التي كان يحلم بها في تلك الحقبة. فبفضل الخوارزميات، بات الفرد المعاصر يعيش في “غرفة صدى” تعزز نرجسيته؛ فأصبح يتوهم أن كل منشور أو “تغريدة” هي فعل تغيير كوني، تمثل امتداداً لصرخة سارة كونور في وجه المستقبل. إن الهوس المعاصر بالهوية، و”صناعة المحتوى” الشخصي، والتحكم المطلق في الصورة الذهنية، هو الامتداد المنطقي لفكرة “الإله الذي في داخلك”. لقد منح العصر الرقمي لكل فرد “عرشاً” افتراضياً، يمارس من خلاله سطوته على واقعه الخاص، متوهماً أنه “المركز” الذي يحتاجه العالم ليتحسن.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن خصوصية الثمانينات تكمن في أنها كانت العقد الذي “خصخص” التدين التقليدي؛ حيث سحبت السلطة الدينية التقليدية من المؤسسات والميتافيزيقيا وأودعتها في الفرد. ونحن اليوم لا نزال نعيش في الثمانينات ولكن بنسختها “المحدثة” (Version 2.0)، حيث لم يعد الإنسان يكتفي بوهم الألوهية داخلياً، بل صار يطالب العالم والواقع بأن يخضعا لهذا الوهم عبر الشاشات.
لقد كانت الثمانينات هي “النبوءة”، وما العصر الرقمي إلا التجلي التقني لتلك اللحظة التي قرر فيها الإنسان أنه لم يعد بحاجة إلى إله، لأنه ببساطة أصبح هو، وكما يتوهم، هذا الإله الذي لم يتعبد له الانسان يوماً إلا قليلاً!
يحسب للثمانينيات إذاً أنها قامت بتعرية إنسان الحضارة المعاصرة وكشفت النقاب عن “ضعفه الخَلقي” الذي لو أنه تتدبره وأحسن قراءة الأسباب الكامنة من ورائه لتبين له أنه كائنٌ لا قدرة له على ان يكون الإله الذي طالما تفاخر بانتفاء حاجته إليه! لقد أرتنا الثمانينات، عبر تجلياتها المعاصرة في عصرنا الراهن، أن الانسان فينا لن يكون ابداً إلا ذلك المخلوق الذي لن يصبح يوماً إلهاً، وأن خير ما بوسعه القيام به هو أن يقر بضعفه وبحاجته الى الإله الحق الذي لن ينصلح حاله إلا بأن يتدين وفقاً لما سبق وأن أمره به.

أضف تعليق