
لا يمكن النظر الى فيلم Finding Altamira (العثور على الطميرة) بوصفه مجرد عمل سينمائي يتناول اكتشاف رسوم كهف قديم، إذ أن هذا الفيلم يمثل دراما فلسفية عميقة عن الصراع المستعر بين الإنسان الحُر والسلطات التي تحتكر تعريف الحقيقة. فالفيلم، وإن بدا في ظاهره سردًا تاريخيًا لاكتشاف كهوف ألتاميرا في إسبانيا، إلا أنه في جوهره يكشف عن البنية النفسية والحضارية للسلطات التي تشرع في محاولة فرض سلطتها المعرفية كلما ظن الإنسان أنه امتلك “التفسير النهائي” للعالم، سواء جاءت هذه السلطة باسم التفسير الديني أو باسم العلم المؤسسي.
فالقضية التي يعرضها الفيلم تتعدى كونها قضية رسوم بدائية على جدران كهف؛ فهي أخطر من ذلك بكثير، وفحواها “من يملك الحق في تعريف الحقيقة؟ ومن يحق له أن يقرر ما يجوز للعقل البشري أن يراه أو يفكر فيه أو يكتشفه؟”.
في هذا السياق، تتجلى داخل الفيلم ثلاث سلطات كبرى تتصارع على احتكار المعرفة.
السلطة الأولى هي سلطة المؤسسة العلمية الأكاديمية؛ تلك السلطة التي يُفترض أنها قامت أصلًا لتحرير العقل من الكهنوت، لكنها ما لبثت أن أعادت إنتاج الكهنوت ذاته بصيغة حديثة. فالعلم المؤسسي، حين يتحول إلى جهاز بيروقراطي مغلق، فإنه لا يعود فضاءً للبحث الحر، بل يصبح بنية وصائية تدافع عن “النموذج السائد” كما كانت الكنيسة تدافع عن عقائدها في القرون الوسطى. ولهذا لم يكن رفض علماء الآثار لاكتشافات ألتاميرا قائمًا على فحص محايد للأدلة بقدر ما كان قائمًا على خوف عميق من انهيار البنية المعرفية التي تمنحهم سلطتهم الرمزية.
وهنا تكمن المفارقة التي يفضحها الفيلم ببراعة، فالعلم الذي نشأ تاريخيًا لتحطيم احتكار الحقيقة يتحول هو نفسه، متى ما تكلس داخل مؤسسات مغلقة، إلى سلطة كهنوتية جديدة. إذ تصبح “النظرية السائدة” بمثابة عقيدة، ويغدو الخروج عليها نوعًا من “الهرطقة العلمية”. وهكذا لا يعود العلماء المخالفون يُعاملون بوصفهم باحثين، بل بوصفهم منحرفين عن الإجماع الواجب الخضوع له. ومن اللافت أن هذه السلطة العلمية الحديثة، رغم ادعائها العقلانية، تستبطن كثيرًا من البنى النفسية التي حكمت الكهنوت الديني قديمًا المتمثلة في الوصاية على العقول والخوف من الفوضى المعرفية وتقديس المرجعيات العليا والاشتباه بكل عقل فردي يجرؤ على التفكير خارج الإجماع المؤسسي.
أما السلطة الثانية في الفيلم فهي سلطة المؤسسة الكنسية الكهنوتية، التي تنظر إلى العالم ليس بوصفه مجالًا مفتوحًا للمعرفة، بل بوصفه حقلًا ينبغي أن يبقى خاضعًا لتصوراتها المسبقة عن الخلق والإنسان والإله. ولذلك فإن أي اكتشاف علمي يهدد البنية التفسيرية المغلقة التي تستند إليها هذه المؤسسة يُنظر إليه بوصفه تهديدًا وجوديًا وليس مجرد خلاف معرفي.
ومن هنا يصبح الصراع في الفيلم أعمق من مجرد خلاف حول رسوم كهفية؛ إنه صراع حول صورة الإنسان ذاته. فقبول فكرة مفادها أن البشر القدماء كانوا يمتلكون هذا المستوى من القدرة الرمزية والفنية قبل الأزمنة التي تصورتها القراءة الكهنوتية التقليدية يعني زعزعة سردية كاملة عن التاريخ الإنساني، وعن علاقة الإنسان بالخالق، وعن الزمن المقدس نفسه.
لكن الفيلم لا ينحاز بصورة ساذجة إلى سلطة العلم ضد الدين، لأن رسالته الأعمق تكمن في كشف التشابه البنيوي بين هاتين السلطتين معًا. فكلتاهما، حين تتحولان إلى مؤسسات مغلقة، تخشيان العقل الحر أكثر مما تخشيان الخطأ ذاته. وكلتاهما تميلان إلى الدفاع عن سلطتهما الرمزية حتى ولو جاء ذلك على حساب الحقيقة نفسها.
وهنا تظهر السلطة الثالثة، وهي الأهم في الفيلم، والمتمثلة في سلطة الفرد الحر الذي يقف وحيدًا في مواجهة هاتين المؤسستين معًا. إن شخصية مكتشف ألتاميرا لا تُقدَّم كبطل خارق، بل كإنسان يدفع ثمن شغفه بالحقيقة. فهو لا يمتلك سلطة المؤسسة الكنسية، ولا نفوذ الأكاديمية، ولا إجماع الجماعة، ولكنه يمتلك شيئًا أخطر من كل ذلك يتمثل في الجرأة على الرؤية خارج الأطر المفروضة.
وهذه هي الرسالة المركزية التي يبدو أن الفيلم يريد إيصالها والتي مفادها أن المعرفة الحقيقية لم تكن يومًا ثمرة المؤسسات المستقرة، بل ثمرة أولئك الذين امتلكوا الشجاعة للوقوف خارجها. فالتاريخ العلمي نفسه لم يتحرك إلا عبر أفراد جرى التعامل معهم في بداياتهم باعتبارهم خارجين على الإجماع أو حالمين أو يمثلون خطراً على النظام المعرفي القائم.
ولهذا يمكن قراءة الفيلم بوصفه دفاعًا عن “العقل الهامشي”؛ ذلك العقل الذي لا يطمئن إلى يقين المؤسسة، ولا يقبل أن تتحول المعرفة إلى جهاز وصاية. فالحقيقة، وفق هذه الرؤية، لا تُولد داخل الطمأنينة الجماعية، بل عند الحدود التي يلتقي فيها الشك بالشجاعة.
ومن زاوية أعمق، يمكن النظر إلى الفيلم باعتباره نقدًا حضاريًا لفكرة “احتكار الحقيقة” ذاتها. إذ إن الإنسان، منذ خروجه من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل، أصبح ميالًا إلى تحويل أي منظومة تفسيرية إلى سلطة مغلقة تدافع عن ذاتها أكثر مما تدافع عن الحقيقة. ولذلك فإن الكهنوت لا يختفي بتغير العصور، بل يعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة؛ مرة باسم الدين، ومرة باسم العلم، ومرة باسم الأيديولوجيا، ومرة باسم “الإجماع الأكاديمي”.
وفي هذا المعنى، فإن بطل الفيلم لا يقف فقط ضد علماء آثار أو رجال دين، بل يقف ضد ميلٍ إنساني عميق إلى إخضاع الحقيقة للسلطة، بدل إخضاع السلطة للحقيقة. وهنا بالضبط تتجاوز رسالة Finding Altamira حدود التاريخ والسينما، لتتحول إلى سؤال فلسفي دائم مفاده “هل يمتلك الإنسان الشجاعة الكافية لكي يبحث عن الحقيقة حتى لو اضطر إلى الوقوف وحيدًا في مواجهة الجميع؟”
