
لعلَّ واحدةً من أكثر الظواهر الإنسانية رسوخًا، وغموضًا في آنٍ معًا، هي ذلك الميل العجيب داخل الإنسان إلى تحميل الآخرين مسؤولية ما آل إليه من تعثر نفسي، أو وجداني، أو اجتماعي، أو مهني، حتى ليبدو وكأن الكائن البشري يعيش في حالة دائمة من إقامة المحاكمات للعالم بأسره، دون أن يقف يومًا في قفص الاتهام الخاص به. فالإنسان، منذ أقدم العصور وحتى اليوم، نادرًا ما يرى نفسه بوصفه السبب الجوهري فيما يعانيه، بل يميل على الدوام إلى بناء سردية متكاملة عن “الآخر” الذي تسبب في إفساد حياته وتعطيل إمكاناته ومنعه من بلوغ ما كان يعتقد أنه يستحقه من مجد أو نجاح أو استقرار أو سكينة.
غير أن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها فهمًا عميقًا إذا ما جرى اختزالها إلى مجرد ضعف نفسي أو نزعة أخلاقية سلبية، لأن جذورها، وفق المقاربة الميتابايولوجية، تمتد إلى تلك “الانعطافة التطورية الأولى” التي خرج الإنسان بمقتضاها من “اقتصاد الطبيعة” إلى “اقتصاد التمثّل”. فالكائن الطبيعي، قبل هذه الانعطافة التطورية الأولى، كان يتحرك ضمن حدود الضرورة المباشرة التي تفرضها قوانين البقاء والتناسل، ولذلك لم يكن يمتلك ذلك الفائض الهائل من التمثلات الذهنية القادر على إعادة تفسير العالم باستمرار، ولا تلك القدرة اللامحدودة على اجترار الماضي وتأويل الأحداث وبناء الروايات حول ذاته والآخرين. أما الإنسان بعد تلك الانعطافة، فقد أصبح كائنًا يعيش داخل شبكات كثيفة من التمثلات والرموز والتأويلات، بحيث لم يعد يتعامل مع الواقع كما هو، ولكن كما يعيد عقله تمثّله وتأويله وصياغته. ومن هنا ظهر ما يمكن تسميته بـ “فائض التمثّل”، أي ذلك الفيض المستمر من السرديات الداخلية والتفسيرات والاحتمالات والمقارنات والحوارات المتخيلة التي لا تكف عن العمل داخل العقل البشري. وهذا الفائض هو الذي منح الإنسان قدرة هائلة على التخطيط والإبداع وبناء الحضارات، لكنه في الوقت نفسه أصبح أحد أكبر مصادر شقائه الوجودي. فالإنسان لا يعيش الحدث مرة واحدة كما تفعل الكائنات الطبيعية، بل يعيشه آلاف المرات داخل رأسه؛ إذ أنه يعيد تمثّل الإساءة والفشل والرفض والخسارة والحرمان، بصورة لا نهائية، حتى تتحول التجربة إلى بنية نفسية مستقرة تعيد إنتاج ذاتها باستمرار. ومن هنا تنشأ تلك الحاجة العميقة إلى اختراع “متهم خارجي” دائم يُلقى عليه عبء الإخفاق الداخلي. ففائض التمثّل لا يكتفي بتسجيل الألم، بل يعمل على تنظيمه داخل سردية متماسكة تجعل الإنسان يبدو دائمًا ضحية لعالَم ظالم، أو لمجتمع قاسٍ، أو لعائلة فاشلة، أو لظروف حالت بينه وبين “العظمة” التي يعتقد أنه كان جديرًا بها.
وهنا تكمن إحدى أخطر نتائج الانعطافة التطورية الأولى؛ إذ لم يعد الإنسان يرى ذاته كما هي، بل كما يريد فائض التمثّل أن يقدّمها له. ولذلك أصبح الإنسان بارعًا بصورة مذهلة في تبرئة نفسه، لأنه يعيش داخل منظومة تأويلية تعمل باستمرار على حماية “الأنا” من الانهيار. فالاعتراف بالمسؤولية الذاتية يتطلب من الإنسان أن يهدم صورةً كاملة بناها عن نفسه بوصفه بريئًا ومظلومًا ومستحقًا لما هو أعظم، وهذا ما يقاومه العقل بشدة، لأن انهيار هذه الصورة يهدد التوازن النفسي ذاته.
ومن هنا نفهم لماذا يميل كثير من البشر إلى الاعتقاد الراسخ بأنهم كانوا قادرين على بلوغ مصاف العظماء لولا الآخرين. ففائض التمثّل يجعل الإنسان يعيش داخل نسخ متخيلة من ذاته؛ نسخة الفنان العظيم الذي لم يفهمه المجتمع، أو المفكر العبقري الذي حاصرته البيئة، أو الإنسان النبيل الذي دمّره المحيطون به. وكلما اتسعت الهوة بين الواقع الفعلي وهذه الصورة المتخيلة، ازدادت الحاجة إلى صناعة مبررات خارجية تفسر الفشل وتحمي صورة الذات من الانكسار.
لكن المفارقة العظمى تكمن في أن الذين بلغوا مراتب العظمة الحقيقية، سواء في المجال المعرفي أو الإبداعي أو الروحي، لم يكونوا كأولئك الذين أتقنوا اتهام العالم، بل كانوا أولئك الذين امتلكوا القدرة على اختراق هذا الحجاب الكثيف من التمثلات ومواجهة ذواتهم بصرامة مؤلمة. فالأنبياء والمصلحون والعظماء لم يعيشوا في ظروف مثالية، إذ تعرض كثير منهم للفقر والرفض والاضطهاد والخيانة والعزلة، ومع ذلك لم تتحول حياتهم إلى مشروع دائم للشكوى، لأن نقطة التحول الجوهرية في مسيرتهم بدأت لحظة اكتشافهم أن خلاص الإنسان لا يبدأ من تغيير العالم، بل من تغيير علاقته بنفسه.
ولهذا كانت التجارب الروحية الكبرى، في جوهرها، محاولات لتحطيم هذا التضخم التمثّلي الذي يجعل الإنسان أسيرًا لصورته الذهنية عن ذاته وعن الآخرين. فمحاسبة النفس لم تكن مجرد فضيلة أخلاقية، بل كانت محاولة لتحرير الإنسان من الوهم الذي صنعه فائض التمثّل داخله. ولذلك كان الاعتراف بالخطأ، في التراث الروحي العميق، يمثل بداية التحول النوعي، لأنه اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن إدارة محكمة كونية ضد العالم، ويبدأ أخيرًا بمواجهة نفسه.
أما الإنسان المعاصر، فقد تضاعف فائض التمثّل لديه بصورة غير مسبوقة بفعل وسائل الإعلام وشبكات التواصل والمنظومات الحديثة القائمة على المقارنة المستمرة وإنتاج الصور المثالية للحياة والنجاح. فأصبح الفرد يعيش داخل طوفان لا يكاد ينتهي من التمثلات التي تجعله يشعر على الدوام بأنه أقل مما يستحق، وأن الآخرين قد سبقوه إلى ما كان ينبغي أن يكون من نصيبه. وهكذا تتضخم عقلية الضحية، ويتحول اللوم إلى نمط وجودي دائم، حتى يغدو الإنسان عاجزًا عن رؤية الحقيقة الأكثر قسوة، والتي مفادها “أن جزءًا كبيرًا من مأساته هي ليست نتاج ما فعله به العالم، بل نتاج الكيفية التي أعاد بها تمثّل هذا العالم داخل نفسه”.
ومن هنا، فإن التحرر الحقيقي لا يبدأ من الانتصار على الآخرين، بل من الانتصار على هذا الفائض التمثّلي الذي يجعل الإنسان يهرب باستمرار من مواجهة مسؤوليته الذاتية. فالإنسان لا يصبح عظيمًا حين يجد المذنبين، بل حين يكف عن حاجته الدائمة إليهم.
