
من أكثر المسلّمات رسوخًا في الوعي الإنساني المعاصر الاعتقاد بأن العقل البشري قد تطوّر أساسًا من أجل اكتشاف الحقيقة وفهم العالم كما هو. ومن هنا يُنظر إلى التفكير والمنطق والعلم والفلسفة، بوصفها تعبيرات عن نزوع طبيعي لدى الإنسان نحو المعرفة الموضوعية. وكأن العقل البشري صُمم ليكون مرآة دقيقة تعكس الواقع دون تشويه، وكلما تقدمت الحضارة اقترب الإنسان أكثر من رؤية الحقيقة في صفائها الكامل. غير أن هذا التصور، على جاذبيته، قد يكون واحدًا من أكثر التصورات سذاجةً بشأن طبيعة العقل البشري ووظيفته التطورية. إذ إن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح بجدية هو: هل كان البقاء البايولوجي للإنسان يتطلب فعلًا امتلاك صورة مطابقة للحقيقة؟ أم أن ما احتاجه الإنسان، قبل كل شيء، هو امتلاك صورة قابلة للاحتمال النفسي والاجتماعي، حتى لو كانت بعيدة جزئيًا عن الواقع كما هو؟
إن الكائن الحي، من منظور تطوري، لا يُكافأ لأنه “يعرف الحقيقة”، بل لأنه ينجو ويتناسل. والطبيعة لا تعبأ كثيرًا بما إذا كان الإدراك البشري مطابقًا للواقع في جوهره، بقدر ما تعبأ بمدى قدرة هذا الإدراك على تمكين الكائن من الاستمرار داخل بيئته. ومن هنا، فإن العقل البشري قد لا يكون قد تطور بوصفه آلة لاكتشاف الحقيقة، بل بوصفه آلة لبناء نماذج نافعة وظيفيًا، حتى لو كانت مشبعة بالأوهام والتبسيطات والإسقاطات.
ولعل هذا ما يفسر لماذا يميل الإنسان، بصورة تكاد تكون غريزية، إلى تفضيل السرديات المريحة نفسيًا على الحقائق الباردة. فهو لا يبحث عن المعرفة الخالصة فقط، بل عن المعنى والطمأنينة والانتماء والشعور بأن وجوده مفهوم ومبرر. ولذلك فإن العقل لا يكتفي باستقبال العالم كما هو، بل يعيد تشكيله بصورة تسمح للإنسان بأن يحتمل الحياة داخله.
ومن هنا يمكن فهم فائض التمثّل بوصفه نتيجة مباشرة لهذا التحول العميق في طبيعة الإدراك البشري. فالإنسان، منذ خروجه من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل، لم يعد يتعامل مع الواقع بوصفه معطى مباشرًا، بل بوصفه مادة خام لإنتاج المعنى. لقد أصبح كائنًا يضيف إلى العالم أكثر مما يستقبله منه.
فالحيوان، في أغلب الأحيان، يستجيب للمثيرات وفق حاجات مباشرة مرتبطة بالبقاء. أما الإنسان، فقد أصبح يعيش داخل شبكة هائلة من الرموز والتأويلات والقصص والهويات والأساطير والتصورات المجردة. وهو لا يرى الأشياء فقط، بل يرى “ما تعنيه” الأشياء بالنسبة له. ولذلك فإن الإدراك الإنساني لم يعد مجرد عملية معرفية، بل أصبح نشاطًا وجوديًا يسعى باستمرار إلى تحويل العالم إلى قصة قابلة للعيش.
ولعل هذا ما يفسر لماذا تستطيع الأيديولوجيات والأساطير والهويات القومية، بل وحتى نظريات المؤامرة، أن تمتلك كل هذه القوة على العقل البشري، رغم تناقض كثير منها مع الوقائع الموضوعية. فالإنسان لا يتبنى الأفكار دائمًا لأنها صحيحة، بل لأنها تمنحه شعورًا بالمعنى والانتماء والسيطرة النفسية على عالم شديد الغموض والتقلب.
فالعقل البشري لا يحتمل الفراغ الوجودي بسهولة. ولذلك فهو يملأ الصمت الكوني بالقصص، ويحوّل المصادفة إلى قصد، والفوضى إلى نظام، والمعاناة إلى رسالة، والموت إلى عبور، والتاريخ إلى سردية ذات مغزى. فهو ينتج المعنى بصورة شبه قهرية، لأن المعنى بالنسبة له ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة نفسية للبقاء.
وهنا تظهر إحدى أخطر المفارقات في التاريخ البشري المتمثلة في أن الكثير مما يظنه الإنسان “بحثًا عن الحقيقة” قد يكون، في عمقه، بحثًا عن حماية نفسه من الحقيقة. فالإنسان لا يريد فقط أن يعرف، بل يريد أن يعرف بطريقة تسمح له بالاستمرار. ولهذا السبب فإنه كثيرًا ما يقاوم الوقائع التي تهدد صورته عن ذاته أو عن العالم، حتى حين تكون مدعومة بالأدلة. فالعقل لا يعمل دائمًا بوصفه أداة للتحقق، بل بوصفه جهازًا دفاعيًا يحافظ على الاتساق النفسي والهوية الرمزية.
ولعل علوم الأعصاب والإدراك الحديثة تعزز هذا الفهم بصورة متزايدة. فالدماغ لا يتعامل مع الواقع بوصفه صورة خامًا، بل يبني باستمرار نماذج تنبؤية تختزل العالم وتعيد تنظيمه بما يخدم الكفاءة الوظيفية والبقاء. وهذا يعني أن الإدراك نفسه ليس مرآة محايدة للحقيقة، بل عملية انتقائية يختلط فيها الواقع بالتوقع، والمعطى بالتأويل.
ومن هنا يمكن فهم لماذا يظل الإنسان، رغم كل التقدم العلمي، عرضة للتحيزات والأوهام والانقسامات العقائدية. فالعلم قد يمنح الإنسان أدوات أدق لفهم العالم، لكنه لا يلغي البنية العميقة للعقل الذي يستخدم هذه الأدوات. والعقل البشري، في جوهره، لا يزال ذلك الكيان القلق الذي يحتاج إلى قصة يعيش داخلها.
إن الإنسان لا يستطيع الاكتفاء بالحقائق حين تكون هذه الحقائق صامتة أو باردة أو خالية من المعنى. ولذلك يعيد دائمًا إنتاج العالم بصورة تجعله محتملًا نفسيًا. ومن هنا تنشأ الحضارات والفلسفات والفنون والأساطير، بوصفها جميعًا آليات ضخمة لإعادة تشكيل الواقع رمزيًا.
ولعل أخطر ما في الأمر أن الإنسان غالبًا لا يدرك أنه يفعل ذلك. فهو يتوهم أن معانيه مكتشفة في العالم نفسه، بينما تكون في كثير من الأحيان انعكاسًا لحاجاته النفسية والوجودية. إنه يسقط ذاته على الكون، ثم يظن أن الكون هو الذي تحدث إليه.
وهكذا، فإن السؤال الحقيقي لا يصبح “هل يعرف الإنسان الحقيقة؟”، بل “إلى أي مدى يستطيع احتمال الحقيقة لو ظهرت له بلا معنى؟”
لعل الجواب الأكثر إزعاجًا هو أن الإنسان، بوصفه كائنًا خرج على اقتصاد الطبيعة، لم يعد قادرًا على العيش داخل عالم خالٍ من السرديات. ولذلك فإن عقله لا يعمل فقط بوصفه أداة لاكتشاف الواقع، بل بوصفه مصنعًا هائلًا لإنتاج المعنى، حتى لو اضطر أحيانًا إلى التضحية بجزء من الحقيقة في سبيل القدرة على الاستمرار.
وهنا يظهر فائض التمثّل مرة أخرى بوصفه البنية الخفية التي أعادت تشكيل الإنسان من كائن يتفاعل مع العالم إلى كائن يعيد اختراع العالم لكي يستطيع العيش فيه.
