كيف صنع الإنسانُ حضارتَه وتسبَّب في الوقت ذاته في نشوء أمراضِه النفسية؟

ثمة مفارقة شديدة العمق تكمن في أن العامل ذاته الذي جعل الإنسان الكائن البايولوجي الوحيد القادر على بناء الحضارات، هو نفسه العامل الذي جعله أيضًا الكائن الأكثر هشاشةً واضطرابًا ومعاناةً على المستوى النفسي. فالحضارة الإنسانية لم تنشأ لأن الإنسان كان أكثر قوة جسدية من سائر الكائنات، ولا لأنه امتلك حواسًا أكثر دقة من الحيوان، بل لأن شيئًا جذريًا حدث داخل بنيته الإدراكية بعد “الانعطافة التطورية الأولى” التي أخرجته من حالة الانسجام مع “اقتصاد الطبيعة”، ودفعته إلى العيش داخل ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد التمثّل”.
فالكائن الحيواني، مهما بلغت درجة تعقيده العصبي، يظل في النهاية كائنًا متوافقًا مع الطبيعة وقوانينها؛ حيث أنه يتحرك داخل حدود الحاجة المباشرة، ويتفاعل مع العالم كما تفرضه ضرورات البقاء والتناسل والتوازن الحيوي. ولهذا فإن الحيوان لا يحتاج إلى إنتاج طبقات لانهائية من المعاني والتأويلات والتصورات الذهنية حول الواقع، لأن الواقع بالنسبة إليه يكاد يكون مكتفيًا بذاته. فالمعطيات الحسية عند الحيوان تؤدي وظيفتها بصورة مباشرة دون أن تتحول إلى أزمة وجودية أو إلى مشروع فلسفي أو إلى صراع نفسي مع العالم.
أما الإنسان، فقد حدث له شيء مختلف تمامًا. فبعد خروجه على الطبيعة، لم يعد قادرًا على الاكتفاء بما تمنحه الحواس من معطيات خام، بل أصبح مضطرًا بصورة مستمرة إلى إعادة إنتاج الواقع داخل عقله عبر طبقات كثيفة من التمثّل والتأويل والتوقع والإسقاط وإعادة البناء الرمزي. وهنا تحديدًا يظهر ما يمكن تسميته بـ “فائض التمثل”، بوصفه أحد أخطر التحولات التي عرفها كائن بايولوجي في تاريخ الحياة.
إن فائض التمثل لا يعني مجرد امتلاك الخيال أو القدرة على التفكير المجرد، بل يعني أن الإنسان أصبح عاجزًا عن رؤية الواقع كما هو دون أن يضيف إليه شيئًا من ذاته؛ من مخاوفه، ورغباته، وتصوراته، وذكرياته، وتوقعاته، وأحكامه القيمية، وصوره الذهنية عن نفسه والعالم. فالإنسان لا يعيش داخل العالم بصورة مباشرة، بل يعيش داخل “تمثلاته” عن العالم. ومن هنا يمكن فهم السبب العميق الذي جعل الحضارة الإنسانية ممكنة أصلًا.
فالحضارة لا تُبنى بالمعطيات الحسية وحدها، لأن الظواهر والتجارب الخام عاجزة بذاتها عن إنتاج النظريات والنماذج التفسيرية والأنظمة الرمزية. إن ما صنع العلم والفلسفة والدين والأسطورة والفن والسياسة والاقتصاد، ليس الواقع في صورته الخام، بل قدرة الإنسان على تجاوز هذا الواقع عبر تمثّله وإعادة بنائه داخل الذهن. فكل حضارة في جوهرها ليست سوى تراكم هائل من التمثلات التي ينتجها العقل البشري حول العالم، ثم يحاول اختبارها أو عقلنتها أو تحويلها إلى أنظمة ومعارف ومؤسسات.
ولهذا فإن الإنسان لم يكتفِ بمشاهدة النار كما يفعل الحيوان، بل حوّلها إلى رمز وقوة وطقس وتقنية وأسطورة وعلم. ولم يكتفِ بملاحظة السماء، بل صنع منها علم الفلك والتنجيم والاساطير والفلسفة الكونية. ولم يكتفِ بالإحساس بالخوف، بل حوّله إلى أنماط تفسيرية ظلت تلاحقه في واقعه واحلامه وأنظمة أخلاقية وعقائد خلاصية. فالحضارة ليست استمرارًا للطبيعة، بل هي في جانب كبير منها نتيجة مباشرة لهذا الفائض التمثّلي الذي جعل الإنسان يعيش داخل عالم من الرموز والمعاني أكثر مما يعيش داخل الواقع المباشر ذاته.
غير أن المفارقة الأكثر قتامة تكمن في أن هذا الفائض نفسه الذي جعل الحضارة ممكنة، هو أيضًا ما جعل الإنسان الكائن البايولوجي الوحيد “الموبوء نفسيًا”. فالحيوان لا يصاب بالاكتئاب الوجودي، ولا بالقلق الميتافيزيقي، ولا بالاغتراب الحضاري، ولا بالخوف من المستقبل البعيد، ولا بالإحساس العبثي بانعدام المعنى، وذلك لأن الحيوان لا يمتلك أصلًا هذا الفائض الهائل من التمثلات التي تفصل بينه وبين الواقع. أما الإنسان، فقد أصبح عاجزًا عن التفاعل مع العالم دون أن تتدخل هذه الطبقات التمثّلية بينه وبين الأشياء. فالإنسان لا يرى الحدث كما هو، بل كما يفسره عقله. ولا يعيش التجربة كما تقع، بل كما يعيد تمثّلها داخل بنيته النفسية والرمزية. ولهذا فإن الإنسان قد يعاني نفسيًا من شيء لم يحدث بعد، أو من ذكرى انتهت منذ عقود، أو من معنى متخيل، أو من صورة ذهنية عن ذاته لا وجود فعليًا لها في الخارج.
ومن هنا يمكن فهم الطبيعة العميقة للأمراض النفسية بوصفها ليست مجرد “خلل كيميائي” أو اضطراب عابر، بل بوصفها أحدى التجليات البنيوية لفائض التمثل ذاته. فالإنسان هو الكائن الوحيد القادر على أن يُعذَّب بواسطة أفكاره، وأن ينهار تحت وطأة تصورات لا وجود ماديًا لها، وأن يعيش داخل سجون نفسية صنعتها تمثلاته الخاصة. فهو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يحوّل الاحتمال إلى رعب، والذكرى إلى جرح دائم، والفكرة إلى مرض، والصورة الذهنية إلى مصير وجودي كامل.
ولعل هذا ما يكشف المفارقة الكبرى في المسيرة البشرية؛ فالحضارة الإنسانية لم تكن ممكنة إلا لأن الإنسان خرج على الطبيعة، غير أن هذا الخروج ذاته هو ما جعله يفقد الطمأنينة الوجودية التي ما تزال الكائنات الأخرى تعيش داخلها بصورة تلقائية. فالحيوان هو أدنى من الإنسان حضاريًا، لكنه أكثر انسجامًا منه مع وجوده، وأكثر قدرة على العيش داخل الحاضر المباشر دون أن يتحول وعيه إلى عبء عليه. أما الإنسان، فقد ربح الحضارة وخسر السكينة. وربح القدرة على بناء العوالم الرمزية، لكنه أصبح في المقابل أسيرًا لها. وهكذا يبدو فائض التمثل وكأنه أعظم نعمة عرفها الإنسان، وفي الوقت ذاته هو أكبر تحدٍ وجودي حمله كائن على هذه الأرض.

أضف تعليق