فائض التمثّل بوصفه تلوّثًا معرفيًا

منذ اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يعي العالم من حوله، لم يكتفِ باستقباله كما هو، بل شرع، بصورة تكاد تكون قهرية، في إعادة تشكيله وإلباسه المعاني والتصورات والرموز. وهكذا لم يعد الواقع، في الوعي الإنساني، مجرد معطى خارجي مستقل، بل أصبح ساحة تتداخل فيها الحقيقة مع الرغبة، والملاحظة مع التأويل، والمعرفة مع الهوية، إلى الحد الذي بات معه من الصعب الفصل بين “ما هو موجود” و”ما أضافه الإنسان إلى الموجود”.
ومن هنا يمكن النظر إلى “التمثّل” ليس بوصفه مجرد آلية إدراكية طبيعية، بل بوصفه أيضًا أحد أخطر أشكال التلوّث المعرفي الذي أصاب علاقة الإنسان بالحقيقة. فالعقل البشري لا يترك الأشياء في حيادها، بل يحمّلها دائمًا أكثر مما تحتمل، ويغمرها بطبقات كثيفة من الإسقاطات النفسية والثقافية والميتافيزيقية حتى يكاد الواقع يختفي أحيانًا خلف الصور التي ينتجها الإنسان عنه.
إن الإنسان، منذ خروجه من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل، لم يعد يتعامل مع العالم بوصفه حضورًا مباشرًا، بل بوصفه مادة خام لإنتاج المعنى. ولهذا السبب أصبحت المعرفة البشرية، حتى في أكثر صورها علمية وتجريدًا، مشبعة دومًا بعناصر لا تنتمي إلى الشيء المدروس نفسه، بل إلى الإنسان الذي يدرسه.
ولعل أخطر ما في هذا التلوث المعرفي أنه غالبًا ما يتخفى في هيئة “فهم”. فالإنسان لا يشعر عادة بأنه يشوّه الحقيقة، بل يظن أنه يفسرها أو يكشف عمقها. غير أن ما يحدث في كثير من الأحيان هو أن العقل يعجز عن احتمال بساطة الواقع أو صمته أو حياده، فيبدأ بإضافة ذاته إلى الأشياء حتى تتحول الحقيقة إلى انعكاس لاحتياجاته النفسية والرمزية.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تختلف تأويلات البشر للظواهر نفسها رغم اتفاقهم على الوقائع الأساسية. فالحروب، والموت، والحب، والطبيعة، والكون، والعلم، وحتى الألم، كلها تتحول في الوعي الإنساني إلى كيانات رمزية محمّلة بدلالات تتجاوز ما هي عليه في ذاتها. فالإنسان لا يرى الأشياء فقط، بل يرى ما تعنيه الأشياء بالنسبة له.
إن هذا الميل التمثّلي لم يبقَ محصورًا في الدين أو الأسطورة، بل تسلل إلى كل مجالات المعرفة الحديثة. فالعلم نفسه، الذي يُفترض أنه المشروع الأكثر صرامة وموضوعية في تاريخ البشرية، لم يسلم من التلوث التأويلي. فالمعادلات الرياضية تُحمَّل برؤى فلسفية، والنظريات الفيزيائية تتحول إلى عقائد وجودية، والبايولوجيا تُستخدم لتبرير تصورات أخلاقية أو سياسية أو حضارية، وكأن الإنسان غير قادر أصلًا على إبقاء المعرفة ضمن حدودها الوصفية البحتة.
ولعل فيزياء الكم تمثل المثال الأكثر وضوحًا على ذلك. فالمعادلات لا تقول إن “الوعي يصنع الواقع”، ولا تقول إن الكون “روحاني” أو “مادي” أو “وهم”، لكن الإنسان يصر على أن يقرأ فيها ما ينسجم مع احتياجاته الميتافيزيقية الخاصة. وهكذا تتحول النظرية العلمية إلى مرآة تعكس بنية العقل الذي يفسرها أكثر مما تعكس حقيقة الطبيعة نفسها.
إن المشكلة العميقة لا تكمن في وجود التمثّل بحد ذاته، لأنه جزء لا يمكن الفكاك منه من البنية الإدراكية للإنسان، بل في عجز الإنسان عن إدراك أنه يعيش داخل تمثّلاته الخاصة. فهو يتعامل مع تأويلاته كما لو كانت جزءًا من الواقع نفسه، ويخلط بين الحقيقة وبين الكيفية التي أعاد بها تشكيل هذه الحقيقة داخل وعيه.
وهنا تحديدًا يصبح التمثّل نوعًا من التلوث المعرفي البنيوي؛ لأنه لا يشوّه المعرفة من الخارج، بل يعيد تشكيلها من الداخل حتى تبدو مشوهة وهي تظن نفسها نقية.
إن الإنسان لا يحتمل “الحقيقة العارية” بسهولة. فهو يشعر بحاجة دائمة إلى تغليفها بالمعنى، وترويضها سرديًا، وربطها بقصة كبرى تمنحه الإحساس بالطمأنينة والسيطرة. ولهذا فإن أكثر الحقائق بساطة قد تتحول، داخل الوعي الإنساني، إلى بناء إيديولوجي معقد.
فالكون مثلًا، قد يكون في ذاته مجرد واقع فيزيائي محايد، لكن الإنسان يحوله إلى رسالة أو امتحان أو عبث أو تجلٍّ “روحي” أو مشروع أخلاقي. والموت، الذي قد يكون حدثًا بايولوجيًا بحتًا، يتحول إلى مأساة ميتافيزيقية أو بوابة خلاص. وحتى العلم، الذي لا يفعل سوى وصف العلاقات والظواهر، يتحول إلى دين جديد أو إلى أداة لإثبات رؤى مسبقة عن الإنسان والوجود.
إن العقل البشري، بهذا المعنى، لا يكتفي بإدراك العالم، بل يلوّنه بذاته باستمرار. ولذلك فإن الإنسان لا يعيش داخل الواقع مباشرة، بل داخل نسخة تمثّلية من الواقع مشبعة برغباته ومخاوفه وصراعاته وتاريخه الحضاري.
ولعل أخطر نتائج هذا التلوث المعرفي أن الإنسان يفقد تدريجيًا القدرة على رؤية الأشياء في بساطتها الأصلية. فهو يصبح أسيرًا للصور التي صنعها بنفسه، حتى يغدو عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة وبين الرواية التي نسجها حول الحقيقة. ومن هنا يمكن فهم كثير من الانقسامات الفكرية والحضارية التي تبدو، في ظاهرها، صراعات حول الوقائع، بينما تكون في عمقها صراعات بين أنماط مختلفة من التمثّل. فالبشر لا يختلفون دائمًا حول “ما حدث”، بل حول “ما يعنيه ما حدث”.
إن الإنسان لا يرى العالم كما هو، بل كما يستطيع احتماله نفسيًا ورمزيًا. ولهذا فإن التمثّل ليس مجرد أداة للفهم، بل آلية دفاعية تحمي الإنسان من مواجهة كون قد يكون أكثر برودة وغموضًا وصمتًا مما يستطيع تحمله.
غير أن المفارقة الكبرى هنا تكمن في أن هذا التلوث المعرفي، رغم تشويهه للحقيقة، هو نفسه ما سمح للإنسان ببناء الحضارات واللغات والفنون والأساطير والعلوم. فبدون فائض التمثّل ما كان الإنسان ليتجاوز حدود الإدراك الحيواني المباشر، لكنه في المقابل دفع ثمن ذلك اغترابًا متزايدًا عن الواقع نفسه.
وهكذا، فإن مأساة الإنسان المعرفية لا تكمن في جهله فقط، بل في استحالة أن يلمس الحقيقة دون أن يترك عليها بصماته. فهو لا يكتفي باستقبال العالم، بل يعيد دائمًا إنتاجه على صورته حتى حين يظن أنه يراه أخيرًا كما هو.

أضف تعليق