ميتافيزيقيا الشجن… الأصول الأندلسية لفلسفة “الساودادي” كأداة للمقاومة الثقافية

لا يمكن فهم المفاهيم الوجودية الكبرى بمعزل عن الجغرافيا التاريخية التي شهدت مخاضها الأول، والتحولات السياسية التي شكلت وجدان الشعوب. ومن هذه المفاهيم تبرز “الساودادي” (Saudade)—ذلك “الشجن الفلسفي” المترع بالحنين والاشتياق لغائب قد لا يعود، أو لماضٍ تداخل فيه الوجود بالفقد، كسمة ملازمة لروح شبه الجزيرة الإيبيرية، وتحديداً في الشمال الغربي الغاليسي منها.
إلا أن النظرة الفاحصة للتاريخ الفكري وتشكّل الوعي الإنساني في هذه المنطقة تكشف أن “الساودادي” ليست مجرد إفراز محلي معزول تولد من طبيعة ضبابية أو عزلة جغرافية، بل هي امتداد عضوي وترجيع صدى للمأساة الأندلسية؛ وتحديداً لتلك اللحظة الفارقة التي حاول فيها المفكرون الأحرار وجماعات الهوية المقموعة في إيبيريا الدفاع عن “الماضي الذهبي” للأنموذج الأندلسي، في مواجهة النزعة الشوفينية القشتالية التي سعت إلى محو الآخر واستبداله بـ “إسبانيا متخيلة”.
إن الجذور الأولى لنقل هذا الشجن الوجودي من الفضاء الأندلسي إلى اللسان الغاليسي-البرتغالي لم تكن وليدة الصدفة، بل تمّت عبر قنوات إبداعية وسيطة تبرز التثاقف العضوي بين الشمال والجنوب. ففي العصور الوسطى، تبلورت الحركة الشعرية الغاليسية-البرتغالية (Trobadorismo)، والتي استلهمت روحها وبنيتها الإيقاعية والوجدانية من الموشحات والأزجال الأندلسية، وخاصة “خرجاتها” العامية الوجدانية. ولقد تجلت هذه الصلة العميقة في ما عُرف بـ “أغاني الحب” (Cantigas de amor) و”أغاني الصديق” (Cantigas de amigo)، حيث تحول الفقد والانتظار واللوعة، وهي المكونات الأساسية للنَفَس الأندلسي والوقوف العربي القديم على الأطلال، إلى ثيمات مركزية باللغة الغاليسية. وهذا الانتقال الأدبي لم يكن مجرد استعارة لقوالب فنية، بل كان هجرة للروح والشجن الأندلسي واستيطاناً له في وجدان الفكر الغاليسي، مما أسس للبنية العاطفية والميتافيزيقية لما سيُعرف لاحقاً بفلسفة “الساودادي”. فالساودادي، بهذا المعنى، هي “الأطلال الأندلسية” وقد أُعيد إنتاجها نثراً وفلسفة في العصر الحديث.
وحين صاغ الفلاسفة الغاليسيون، مثل رامون بينيرو ومن قبله مفكرو النهضة الغاليسية، مفهوم الساودادي كتعريف متميز للهوية والوعي، فإنهم كانوا يمارسون وعياً شبيهاً بوعي المفكرين الأحرار والموريسكيين (العرب بعد سقوط الاندلس) المستترين في إيبيريا عقب هذا السقوط.
لقد مثلت الأندلس في الذاكرة المقموعة للشعوب الإيبيرية غير القشتالية “كالغاليسيين (سكان مقاطعة غاليسيا) والكاتالونيين (سكان مقاطعة كاتالونيا)” بديلاً حضارياً كاملاً يتسم بـ:
• المجال المعرفي المفتوح: حيث تتفاعل القوميات واللغات والأديان (الإسلام والمسيحية واليهودية) لإنتاج معرفة إنسانية متجاوزة ومستنيرة.
• التعددية كأصل للوجود وذلك في مقابل النموذج المركزي الإقصائي الذي فرضته قشتالة.
وعليه، فإن استدعاء الساودادي في الفكر الغاليسي الحر هو محاولة واعية أو غير واعية لاستعادة ذلك الأفق العالمي (الكوزموبوليتاني) المفقود، والرد على محاولات فرض “النقاء الثقافي والعرقي” القشتالي الذي اعتبر كل ما هو خارج دائرتها غريباً يجب استئصاله.
كما وتتجلى القيمة النقدية لهذه المقاربة في تعريتها لـ “النزعة الشوفينية القشتالية”، التي عملت عبر قرون طويلة (لا سيما بعد حركة الاسترداد “Reconquista” وتأسيس محاكم التفتيش) على صياغة أسطورة “إسبانيا النقية”. وهي سردية إيديولوجية مصطنعة تقوم على ركيزتين:
1. محو الآخر المختلف: طمس المكونات العربية والموريسكية، وتهميش واضطهاد الخصوصيات اللغوية والثقافية للشمال (كالغاليسية).
2. اختراع إسبانيا افتراضية: تخيّل امتداد تاريخي موحد، مسيحي نقي، وقشتالي اللسان، لم يكن له وجود يوماً على أرض الواقع؛ إذ كانت إيبيريا التاريخية دائماً فضاءً قلقاً ومضطرباً بالتعدد والتثاقف.
هنا، تنهض فلسفة الساودادي كأداة نقض تفكيكية؛ إذ أنها حنين لما كان حقيقياً، ملموساً، ومتعدداً، في مواجهة واقع مصطنع ووهمي يُفرض بقوة السلطة والمحو.
ولتعميق هذا الفهم الفلسفي، يمكننا استدعاء أطروحات فيلسوف التاريخ والتر بنيامين (Walter Benjamin)، وتحديداً فكرته حول “التاريخ المقموع” أو “تاريخ المهزومين”. فبنيامين يرى أن التاريخ الرسمي يكتبه دائماً المنتصرون (وفي هذه الحالة المركزية القشتالية)، وهو تاريخ يقوم على طمس جثث وثقافات الضحايا. ويرى أن مهمة المفكر الِانعتاقي هي “تمشيط التاريخ عكس اتجاه الشعر” لاستدعاء إرث المقموعين.
في هذا الضوء، لا تعود “الساودادي” مجرد بكائية أو نوستالجيا سلبية للماضي، بل تتحول، وفق المفهوم البنياميني، إلى أداة مقاومة وجودية وسياسية وثورية. إن الحنين للماضي الأندلسي التعددي، والتشبث بالهوية الغاليسية المهددة بالمحو والإلغاء، يصبح فعلاً نضالياً يهدف إلى:
• زعزعة استقرار السردية الرسمية: كسر احتكار قشتالة للحقيقة التاريخية وإثبات أن “إسبانيا المتخيلة” بنيت على أنقاض ثراء ثقافي حقيقي.
• تحويل الفقد إلى قوة دفع: إن الوعي بالساودادي يعني تذكر “الوعود المجهضة” في التاريخ (وعود التعايش والتعددية الحرّة)، وتحويل هذا الذاكرة المكلومة إلى وقود للمطالبة بمستقبل يتسع للاختلاف ويهزم التهميش.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن إعادة ربط فلسفة الساودادي بأصولها الأندلسية العربية، وقراءتها عبر أدوات فلسفة التاريخ الحديثة، ليست مجرد ترف أكاديمي أو مقارنة أدبية عابرة؛ بل هي إعادة اعتبار لتاريخ الفكر الإنساني في شبه الجزيرة الإيبيرية؛ حيث أنها تكشف كيف تلتقي مأساة اقتلاع الثقافة الأندلسية مع معاناة تهميش الهوية اللغوية الغاليسية، ليتوحدا في مفهوم فلسفي وميتافيزيقي واحد؛ وهو مفهوم يجعل من الشجن والحنين والذاكرة جبهة أخيرة للدفاع عن جوهر الإنسان وتعدديته، وضد كل أشكال الشوفينية والإقصاء والتشويه التاريخي المتعَّمد.

أضف تعليق