الكون كما تصفه المعادلات وليس كما يتخيله الإنسان

منذ أقدم العصور، تعامل الإنسان مع العالم كما لو كان مصممًا على مقاس إدراكه. فالسماء تبدو قبةً فوقه، والأرض تبدو ثابتة تحت قدميه، والزمن يجري كما يشعر به، والأشياء تبدو صلبة ومحددة ومنفصلة عن بعضها. ومن هنا نشأ الوهم العميق بأن العالم الذي يختبره الإنسان بحواسه هو العالم كما هو في ذاته.
غير أن العلم المعاصر، وبخاصة منذ الثورة الفيزيائية في القرن العشرين، بدأ يكشف بصورة متزايدة أن الصورة التي يعيش الإنسان داخلها ليست إلا تبسيطًا إدراكيًا شديد الاختزال لواقع أكثر غرابة وتعقيدًا بما لا يقاس. فالكون كما تصفه المعادلات ليس هو الكون الذي يتخيله الإنسان، بل يكاد يكون عالمًا آخر لا يشبه خبرتنا اليومية إلا بقدر ضئيل.
فالإنسان يعيش داخل “نسخة إدراكية” من الواقع، لا داخل الواقع نفسه. فاللون مثلًا، ليس خاصية قائمة بذاتها في الأشياء، بل ترجمة عصبية لطول موجي معين. والصلابة التي يشعر بها الإنسان ليست سوى نتيجة للتنافر الكهرومغناطيسي بين الذرات، بينما المادة نفسها تتكون في معظمها من فراغ. والزمن الذي يبدو متدفقًا بصورة مطلقة ليس كذلك في النسبية، بل يتباطأ ويتسارع تبعًا للحركة والجاذبية. وحتى فكرة “المكان” التي تبدو بديهية للوعي الإنساني تتحول في الفيزياء الحديثة إلى بنية قابلة للانحناء والتشوه.
أما فيزياء الكم، فقد دفعت هذا الانفصال بين الإدراك البشري والواقع الفيزيائي إلى أقصى حدوده. فالجسيمات لا تتصرف كما “ينبغي” للأشياء أن تتصرف وفق الحدس الإنساني. إنها توجد في حالات احتمالية وتتراكب وتتشابك عبر مسافات هائلة وتتغير نتائجها بمجرد القياس. وكأن الكون، في مستواه العميق، لا يشبه إطلاقًا العالم الذي صنعه العقل البشري ليعيش فيه.
وهنا تظهر الحقيقة المقلقة التي مفادها أن الإدراك البشري لم يتطور ليكشف الواقع كما هو، بل ليمكن الإنسان من البقاء داخل بيئته. فالعقل لا يهتم بالحقيقة المطلقة بقدر اهتمامه ببناء نموذج وظيفي يسمح للكائن بالتحرك والتنبؤ وتجنب الأخطار. ولذلك فإن الصورة البشرية للعالم ليست مرآة للكون، بل واجهة مبسطة ومناسبة للاستخدام البايولوجي.
إن الحيوان لا يحتاج إلى معرفة ميكانيكا الكم كي ينجو، والإنسان القديم لم يكن بحاجة إلى فهم انحناء الزمكان كي يبقى حيًا. ولهذا تطور الوعي البشري ليختزل العالم إلى صورة قابلة للإدراك العملي، وليس إلى تمثيل مطابق للبنية الحقيقية للوجود.
ومن هنا تنشأ الفجوة الهائلة بين “الواقع الفيزيائي” و”عالم الإنسان”. فالإنسان لا يعيش داخل الكون كما تصفه المعادلات، بل داخل كون أعاد عقله تبسيطه وإعادة ترتيبه بحيث يصبح قابلًا للفهم والتعامل اليومي. إنه يعيش داخل نسخة مفلترة من الواقع، وليس داخل الواقع ذاته.
غير أن المشكلة لا تتوقف عند هذا الحد. فالإنسان، بفعل فائض التمثّل، لا يكتفي بهذا النموذج الإدراكي، بل ينسى لاحقًا أنه مجرد نموذج. ومن ثم يبدأ بالتعامل مع تجربته الذاتية كما لو أنها كانت تعكس طبيعة الكون نفسه. وهكذا يتحول الإدراك البشري المحدود إلى معيار يُقاس عليه الوجود كله.
ولعل هذا ما يفسر لماذا يجد الإنسان صعوبة شديدة في تقبل كثير من الحقائق العلمية الحديثة. فالعقل البشري، المشكّل عبر ملايين السنين داخل شروط البقاء المباشر، لم يُبنَ للتعامل مع عالم تتحول فيه المادة إلى احتمالات، والزمن إلى بُعد مرن، والواقع إلى بنية تتجاوز الحدس اليومي.
إن الإنسان يريد كونًا يشبهه، بينما تكشف المعادلات عن كون لا يبالي أصلًا بما يريده الإنسان أو يتخيله. ومن هنا تنشأ الصدمة الوجودية العميقة التي ترافق الاكتشافات العلمية الكبرى. فكل تقدم في فهم الطبيعة كان، في جانب منه، تقويضًا جديدًا لمركزية الإدراك البشري.
لقد اكتشف الإنسان أنه ليس مركز الكون، ثم اكتشف أن الأرض ليست مركز النظام الشمسي، ثم اكتشف أن مجرته ليست سوى نقطة ضئيلة في كون هائل، ثم اكتشف أخيرًا أن حتى صورته الإدراكية عن الواقع ليست مطابقة للبنية الحقيقية للعالم.
وهنا يظهر فائض التمثّل بوصفه آلية دفاعية ضد هذا الانهيار المستمر للمركزية البشرية. فالإنسان لا يستطيع بسهولة احتمال وجود كون لا يشبه حدسه، ولذلك يعيد دائمًا إنتاج العالم بصورة أقرب إلى احتياجاته النفسية والرمزية. فهو يحمّل الكون صفات بشرية، ويحوّل القوانين إلى رسائل، والطبيعة إلى قصة، والمعادلات إلى ميتافيزيقا، هربًا من مواجهة الفجوة الهائلة بين العالم كما هو والعالم كما يتخيله.
ولعل هذا ما يفسر لماذا تتحول النظريات العلمية، في الوعي الجمعي، إلى مادة للتأويل الفلسفي والروحي والأيديولوجي. فالإنسان لا يريد فقط فهم الكون، بل يريد أيضًا أن يشعر بأنه قادر على السكن فيه نفسيًا. ولذلك فإنه لا يطيق بقاء المعادلات في صمتها البارد، بل يسارع إلى إغراقها بالمعنى.
إن الكون، كما تصفه الفيزياء الحديثة، ليس عالمًا صُمم لراحة الإدراك البشري؛ إذ أنه عالم لا نهائي تقريبًا في تعقيده وغرابته، وإلى الحد الذي تبدو معه الحواس البشرية وكأنها أداة بدائية للغاية أمام البنية الحقيقية للوجود.
ومع ذلك، فإن الإنسان يستمر في العيش داخل نسخته المختزلة من العالم، لأنها النسخة الوحيدة التي يستطيع جهازه العصبي التعامل معها دون أن ينهار تحت وطأة التعقيد الهائل للواقع.
وهكذا، فإن مأساة الإنسان المعرفية لا تكمن فقط في جهله، بل في الهوة البنيوية بين العالم كما تصفه المعادلات، والعالم كما يستطيع العقل البشري أن يتخيله. فالحقيقة الفيزيائية هي ليست أعقد مما يظن الإنسان فحسب، بل هي أيضًا أعقد مما يستطيع أصلًا أن يتصوره.

أضف تعليق