
ثمة مفارقة شديدة الدلالة تكشف جانبًا آخر من ازدواجية الخطاب الغربي المعاصر، وتتجلى هذه المرة في الطريقة التي يتعامل بها الغرب مع قضية المرأة، ومع ما يشهده مجتمعه نفسه من تصاعد غير مسبوق في مستويات العداء ضد النساء، مقابل استمراره في تقديم ذاته بوصفه المرجعية الأخلاقية العليا لتحرير المرأة والدفاع عن حقوقها في العالم أجمع. فبينما ينشغل جزء كبير من الخطاب السياسي والإعلامي الغربي بتوجيه النقد المستمر إلى المجتمعات الشرقية بسبب الحجاب أو بعض القيود الاجتماعية والثقافية المرتبطة بالمرأة، يتغاضى هذا الخطاب ذاته بصورة لافتة عن أزمة داخلية عميقة أخذت تتسع داخل المجتمعات الغربية نفسها، تتمثل في عودة نزعات ذكورية متطرفة باتت تُعبّر عن نفسها بجرأة متزايدة، سواء على مستوى الخطاب العام أو داخل فضاءات التواصل الاجتماعي أو حتى في الحياة اليومية والمؤسسات التعليمية والثقافية.
فلقد أصبح من الواضح أن الغرب يشهد في السنوات الأخيرة ما يمكن وصفه بـ “صحوة ذكورية منحرفة”، وهي حالة اجتماعية ونفسية وثقافية يحاول من خلالها عدد متزايد من الرجال مقاومة التحولات التاريخية التي دفعت نحو مزيد من المساواة بين الجنسين. فبدل أن تُستقبل هذه التحولات بوصفها تطورًا حتمياً في البنية الإنسانية والاجتماعية، جرى التعامل معها من قبل تيارات واسعة باعتبارها تهديدًا مباشرًا لما يتوهمه بعض الرجال من “سلطة تاريخية” أو “حق طبيعي” في الهيمنة والسيطرة والتفوق. وهكذا بدأنا نشهد تصاعدًا ملحوظًا في الخطابات التي تمجد الأزمنة التي كان الرجل فيها الآمر الناهي، وتتعامل مع المرأة بوصفها كائنًا أدنى أو تابعًا أو مجرد أداة لخدمة الرجل وإشباع حاجاته النفسية والجسدية والاجتماعية.
والأخطر من ذلك أن هذه الظاهرة لم تعد محصورة في جماعات هامشية أو متطرفة فحسب، بل أخذت تتغلغل تدريجيًا داخل الثقافة الشعبية الغربية نفسها، حتى باتت تظهر بوضوح في لغة الأطفال والمراهقين، وفي الرموز المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، وفي المحتوى الرقمي الذي يعيد إنتاج صورة الرجل المتسلط والمرأة الخاضعة بوصفها صورة “قوة” أو “نجاح” أو “رجولة”. بل إن بعض الشخصيات المؤثرة على وسائل التواصل الاجتماعي باتت تبني شهرتها وثروتها بالكامل على نشر خطاب يقوم على الاستهانة بالنساء أو تحقيرهن أو اختزالهن في أدوار دونية، وسط عجز واضح للمؤسسات الثقافية والتربوية الغربية عن احتواء هذه الظاهرة أو التصدي لها بصورة فعالة.
ومن هنا تبرز المفارقة الكبرى التي مفادها “كيف يستطيع الغرب أن يقدّم نفسه بوصفه الحارس العالمي لحقوق المرأة، بينما تعاني نساؤه أنفسهن من مستويات متزايدة من التحرش والإهانة والعنف والتمييز والكراهية؟ وكيف يمكن لخطاب غربي يركز بصورة شبه هوسية على حجاب امرأة شرقية أن يتجاهل الكم الهائل من الإساءات اليومية التي تتعرض لها النساء داخل المجتمعات الغربية نفسها، سواء في أماكن العمل أو الجامعات أو الشوارع أو الفضاء الرقمي؟ بل كيف أصبح الحجاب في بعض الخطابات الغربية يُقدَّم وكأنه المشكلة المركزية في حياة المرأة، في الوقت الذي تواجه فيه النساء الغربيات أشكالًا متنامية من العنف النفسي والاجتماعي والرمزي والجسدي؟”.
إن الأزمة هنا لا تتعلق بمجرد تناقض سياسي أو إعلامي عابر، بل تكشف عن خلل أعمق في البنية الفكرية والأخلاقية للخطاب الغربي ذاته. فالغرب كثيرًا ما يتعامل مع قضايا المرأة خارج حدوده بوصفها أدوات لإثبات تفوقه الحضاري والأخلاقي، وليس بوصفها قضايا إنسانية تُقاس بمعيار واحد ينطبق على الجميع. ولهذا يصبح التركيز على “رمزية الحجاب” أكثر جاذبية بالنسبة إلى الخطاب الغربي من مواجهة أزماته البنيوية الداخلية المتعلقة بتفكك العلاقات الاجتماعية، وتنامي الكراهية ضد النساء، وصعود الحركات الذكورية الشعبوية، وانتشار ثقافة الاستهانة بالمرأة في الفضاء الرقمي والإعلامي.
واللافت أن هذا التصاعد في الخطاب الذكوري المتشدد يحدث في وقت تمتلك فيه المجتمعات الغربية منظومات تعليمية وإعلامية ضخمة كان يُفترض بها أن تُنتج أجيالًا أكثر وعيًا بالمساواة والاحترام المتبادل. غير أن ما حدث فعليًا يكشف أن التقدم التقني والتعليمي لا يكفي وحده لإنتاج وعي إنساني متوازن، بل قد يتحول أحيانًا إلى أداة لتضخيم النزعات العدائية وإعادة تدويرها بصورة أكثر انتشارًا وتأثيرًا. فوسائل التواصل الاجتماعي، التي قُدمت ذات يوم بوصفها فضاءً لتحرير الإنسان وتعزيز الحوار، أصبحت في كثير من الأحيان ساحات لإعادة إنتاج أكثر أشكال الكراهية والتسلط بدائيةً، ولكن بلغة حديثة وأدوات أكثر قدرة على الانتشار والتأثير النفسي.
ولعل السؤال الأهم الذي يفرض نفسه هنا هو: لماذا لا يوجّه الغرب جزءًا مماثلًا من نقده الأخلاقي نحو أزماته الداخلية المتعلقة بالمرأة قبل أن يطالب الآخرين بتبني نموذجه الثقافي؟ ولماذا لا يصبح التصدي لثقافة كراهية النساء داخل المجتمعات الغربية أولوية فلسفية وسوسيولوجية وتربوية حقيقية، بدل الاكتفاء بتصدير صورة مثالية عن الغرب بوصفه الفردوس النهائي لحرية المرأة؟ فالدفاع الحقيقي عن المرأة لا يبدأ من فرض نموذج ثقافي واحد على العالم، بل من القدرة على مواجهة التناقضات الداخلية بشجاعة وصدق، والاعتراف بأن أي مجتمع، مهما بلغ تقدمه، يمكن أن ينتج أشكالًا جديدة من الهيمنة والإقصاء والعنف إذا لم يُخضِع نفسه بصورة مستمرة للنقد والمراجعة.
