
من أكثر الأوهام رسوخًا في الوعي المعرفي الحديث الاعتقاد بأن التأثيل اللغوي علمٌ قادرٌ على الوصول إلى “الأصل الحقيقي” للكلمات بصورة نهائية وحاسمة، وكأن الكلمة كائن جامد يمكن تتبع مساره التاريخي بدقة مطلقة حتى لحظة ولادته الأولى. غير أن التأمل العميق في طبيعة اللغة، وفي الآليات الذهنية التي يتعامل بها الإنسان مع الماضي اللغوي، يكشف أن ما يسمى بـ “الأصل اللغوي” قد لا يكون في كثير من الأحيان سوى تمثّلٍ معرفي من بين تمثلات عديدة ممكنة لذات الظاهرة الصوتية واللسانية.
ومن هنا يمكن النظر إلى الصراع القائم بين المدارس التأثيلية المختلفة، كالتأثيل الهندو-أوروبي من جهة، والتأثيلات التي تبحث عن جذور أعمق للكلمات داخل البنى العربية من جهة أخرى، بوصفه ليس مجرد خلاف أكاديمي حول الألفاظ، بل بوصفه مثالًا شديد العمق على الكيفية التي يعمل بها فائض التمثّل داخل العقل البشري؛ أي ذلك الميل المستمر لدى الإنسان إلى إنتاج نماذج تفسيرية متعددة للواقع ذاته، ثم التعامل مع هذه النماذج كما لو أنها الحقيقة نفسها.
فاللغة، في نهاية المطاف، ليست شيئًا ماديًا يمكن إخضاعه للتجربة المختبرية المباشرة، بل هي أثر متآكل عبر الزمن، لا يصل الإنسان منه إلا إلى بقايا متناثرة (أصوات وتحولات نطقية وتشابهات دلالية ونصوص قديمة ناقصة وافتراضات عن الهجرات والاحتكاكات الحضارية). ومن هذه البقايا المحدودة يبدأ العقل البشري بإعادة بناء “قصة الأصل”، تمامًا كما يعيد عالم الفيزياء النظرية بناء تصوراته عن الكون انطلاقًا من معادلات رياضية لا تتكلم بذاتها، بل تحتاج دائمًا إلى تأويل وتمثّل نظري.
وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات إثارة مفادها كما أن المعادلة الفيزيائية الواحدة قد تُنتج عدة تمثلات نظرية متنافسة حول طبيعة الواقع، كذلك قد تُنتج الكلمة الواحدة عدة “حقائق تأثيلية” متنافسة حول أصلها التاريخي.
فالمدرسة الهندو-أوروبية، على سبيل المثال، تنظر إلى التشابهات القائمة بين الكلمات الأوروبية بوصفها بقايا لجذر بروتو-هندو-أوروبي مفترض، وتعيد تفسير التحولات الصوتية وفق منظومة مغلقة من القوانين اللسانية التي تبدو شديدة التماسك داخليًا. غير أن المقاربات البديلة قد ترى في هذه الكلمات نفسها بقايا لتحولات أعمق وأكثر قدمًا، وربما امتدادات متآكلة لجذور عربية تعرضت عبر آلاف السنين إلى عمليات كثيفة من التخفيف الصوتي والانزياح النطقي.
وهكذا تصبح الكلمة ذاتها مجالًا لصراع تمثّلي، لا يختلف في بنيته العميقة عن الصراع بين مدارس الفيزياء النظرية. ففي الفيزياء، قد تتنافس عدة نماذج تفسيرية على وصف الظاهرة نفسها، فنموذج يراها جسيمًا وآخر يراها موجة وثالث يراها اهتزازًا في حقل كمي ورابع يفسرها ضمن بنية هندسية للزمكان. ورغم اختلاف هذه التمثلات، فإنها جميعًا تحاول احتواء “الواقع ذاته”. والأمر نفسه يحدث داخل التأثيل اللغوي، فمدرسة ترى الكلمة جرمانية الأصل وأخرى تراها لاتينية وثالثة تراها امتدادًا عربياً متحوّلًا ورابعة قد تردها إلى جذور أقدم من جميع هذه التصنيفات. ولكن المثير للاهتمام هو أن جميع هذه المدارس قد تستند إلى المعطيات الصوتية نفسها، كما تستند الفيزياء النظرية إلى المعادلات ذاتها. فالمشكلة لا تكمن دائمًا في الوقائع، بل في الكيفية التي يعيد بها العقل البشري تمثّل الوقائع داخل نموذج تفسيري يمنحه الشعور بالتماسك والسيطرة المعرفية.
ومن هنا يصبح فائض التمثّل هو الفاعل الحقيقي خلف هذا التعدد التأثيلي. فالعقل البشري لا يحتمل الفراغ التفسيري، ولا يطيق أن تبقى الكلمات مجرد بقايا غامضة بلا قصة أصل واضحة. لذلك يندفع باستمرار إلى بناء سلاسل نسب لغوية، وربط الكلمات بأشجار عائلية، وصياغة قوانين صوتية، وإنشاء خرائط للهجرات والانشقاقات اللسانية، حتى يبدو وكأنه أعاد امتلاك الماضي نفسه. غير أن ما يُنتجه العقل هنا قد لا يكون “الحقيقة النهائية” للكلمة، بل تمثّلًا منظمًا لها؛ أي نموذجًا تفسيرياً ناجحًا داخل منظومة معرفية معينة. وهذا لا يعني أن جميع التأثيلات متساوية في القوة أو الدقة، بل يعني أن التأثيل ذاته يظل فعلًا تمثليًا، وليس كشفًا مباشرًا عن جوهر لغوي ثابت.
ولعل أخطر ما فعله فائض التمثل في العلوم الإنسانية عمومًا هو جعله الإنسان ينسى أن النماذج التفسيرية ليست الواقع ذاته، بل طرائق ذهنية لاحتواء الواقع. فكما تحولت النظريات الفيزيائية أحيانًا إلى سلطات فوق-معرفية تحدد ما يجوز التفكير فيه وما لا يجوز، فقد تحولت بعض المدارس اللسانية بدورها إلى أنظمة مغلقة تتعامل مع فرضياتها بوصفها حقائق نهائية، وليس مجرد تمثلات قابلة لإعادة النظر.
ومن هنا ربما لا يكون السؤال الحقيقي: “ما هو الأصل النهائي للكلمة؟” بل: “كيف ينتج العقل البشري كل هذه التمثلات المختلفة ليحتوي ماضيًا لغويًا لم يعد حاضرًا أمامه بصورة مباشرة؟” وهذا السؤال، في جوهره، لا يخص اللغة وحدها، بل يخص الإنسان نفسه؛ ذلك الكائن الذي خرج، منذ الانعطافة التطورية الأولى، من الاكتفاء بالواقع المباشر، ليعيش داخل عالم لانهائي من التمثلات المتنافسة حول الحقيقة الواحدة.
