
من أكثر المسلّمات رسوخًا داخل اللسانيات الحديثة الاعتقاد بأن التشابهات القائمة بين اللغات الأوروبية يمكن تفسيرها بالكامل من خلال ما يُعرف بالعائلة الهندو-أوروبية، وبأن الكلمات المتقاربة دلاليًا وصوتيًا داخل هذه اللغات تعود إلى أصول جرمانية أو لاتينية أو إغريقية أو بروتو-هندو-أوروبية مشتركة. غير أن هذا التصور، على ما يمتلكه من قوة تفسيرية، قد لا يكون كافيًا دائمًا لتفسير الطبقات الأعمق من التشابهات اللغوية، خصوصًا حين يتعلق الأمر بكلمات تبدو شديدة البساطة والاستعمال إلى الحد الذي يجعلها أشبه بالأحفوريات الصوتية القديمة التي تعرّضت عبر آلاف السنين إلى عمليات هائلة من التخفيف والتحوير والاختزال.
ومن هنا يمكن النظر إلى كلمات أوروبية شائعة مثل الكلمة الإنجليزية too، والفرنسية aussi، والألمانية auch، بوصفها ليست مجرد مفردات مستقلة نشأت كل واحدة منها داخل مسارها الأوروبي الخاص، بل بوصفها تشعبات صوتية بعيدة لجذر لساني أقدم وأكثر وحدة، يمكن العثور على صورته الأقرب في الكلمة العربية المعاصرة: “أيضًا”.
فاللغة، حين تمتد عبر الزمن، لا تحافظ على الكلمات في صورتها الأصلية، بل تدخل الكلمات في سلسلة طويلة من عمليات “التآكل الصوتي”؛ حيث تسقط الحروف الثقيلة، وتُخفَّف الأصوات، وتتحول مخارج الحروف بما يتناسب مع “الاقتصاد النطقي” للكائن البشري. وهذا ما يجعل الكلمات القديمة، بعد آلاف السنين، تبدو وكأنها لا تنتمي إلى أصل واحد، رغم أنها قد تكون في حقيقتها مجرد بقايا متشظية لذاكرة صوتية مشتركة.
ووفق هذه المقاربة، يمكن النظر إلى الكلمة الإنجليزية too بوصفها الصيغة الأكثر اختزالًا وتخفيفًا للجذر العربي “أيضًا”. فحرف الضاد، بوصفه واحدًا من أكثر الأصوات العربية ثقلًا وتعقيدًا وفخامة، تعرض مع الزمن إلى سلسلة من التحولات الصوتية؛ إذ خُفِّف أولًا إلى صوت قريب من الدال (D)، ثم واصل انزياحه حتى أصبح تاءً (T)، في الوقت الذي سقطت فيه البدايات والنهايات الصوتية للكلمة تدريجيًا، لينتهي الأمر بصيغة شديدة الاختزال: .too
أما الكلمة الفرنسية aussi، فهي تمثل، وفق الفرضية ذاتها، مسارًا مختلفًا لعملية التخفيف نفسها؛ حيث لم ينتهِ التحول عند التاء، بل واصل انزياحه الاحتكاكي حتى اقترب من السين (S)، لتصبح البنية الصوتية للكلمة أقرب إلى aussi. وبذلك فإن too وaussi لا تعودان كلمتين منفصلتين في الأصل، بل صورتين متباعدتين لصوت واحد أخذ يتشظى عبر الأزمنة واللهجات والتحولات النطقية.
وفيما يتعلق بالكلمة الألمانية auch، فإنها تمثل نمطًا آخر من أنماط التخفيف والانزياح الصوتي؛ حيث تحوّل الصوت المركزي الثقيل في الجذر إلى الخاء الجرمانية الاحتكاكية (CH)، وهي ظاهرة معروفة في التحولات الصوتية داخل عدد من اللغات الأوروبية، خصوصًا حين تتعرض الأصوات الثقيلة إلى إعادة تشكيل تتناسب مع البنية النطقية المحلية.
وهكذا تصبح الكلمات الثلاث:
• too
• aussi
• auch
ليست مجرد ألفاظ متجاورة في المعنى، بل شواهد على ماضٍ لغوي أكثر وحدة مما تتصوره التأثيلات التقليدية. إن المشكلة الجوهرية في كثير من مدارس التأثيل الحديثة أنها تتعامل مع اللغات كما لو أنها وُلدت منفصلة منذ البداية، ثم تبحث لاحقًا عن الروابط بينها، بينما قد يكون المسار التاريخي الحقيقي معاكسًا تمامًا؛ أي أن اللغات كانت أكثر تقاربًا وتماثلًا في الأزمنة السحيقة، ثم أخذت تتشظى تدريجيًا بفعل الهجرات والعزلات الجغرافية والتحولات الصوتية والتبدلات الحضارية. ومن هنا فإن الكلمات الأوروبية التي تبدو اليوم شديدة الاختلاف قد لا تكون في حقيقتها إلا نهايات متأخرة لمسار طويل من التشعب عن أصل أقدم وأكثر وحدة. فالاختلاف الحالي ليس بالضرورة دليلًا على التباين الأصلي، بل قد يكون نتيجة مباشرة للتعرية الصوتية التي أصابت الكلمات عبر آلاف السنين.
إن هذه المقاربة لا تسعى بالضرورة إلى إلغاء التأثيل الهندو-أوروبي، بل إلى مساءلة حدوده الزمنية نفسها؛ إذ ربما تكون العائلات اللغوية التي نعرفها اليوم مجرد طبقات متأخرة فوق تاريخ لساني أعمق بكثير، لم يعد من الممكن الوصول إليه إلا عبر إعادة التفكير في الكلمات بوصفها “كائنات صوتية” تتآكل وتتشظى وتتحول باستمرار، لا بوصفها وحدات ثابتة مغلقة داخل حدود التصنيفات الحديثة.
