
يظن الإنسان المعاصر، في الغالب، أن لغة العلم تمثل أكثر أشكال اللغة دقةً وحيادًا وتجردًا في تاريخ البشرية. فالمصطلحات العلمية، بحسب هذا التصور، ليست سوى أدوات تقنية صُممت لوصف الظواهر بأقصى قدر ممكن من الوضوح، بعيدًا عن الانفعالات والرموز والحمولات الثقافية التي تميز اللغة اليومية أو الدينية أو الشعرية. ومن هنا نشأ الاعتقاد بأن العلم قد نجح أخيرًا في إنتاج لغة “خالية من التحيز”، قادرة على نقل الحقيقة كما هي دون تشويه.
غير أن هذا التصور، على ما يبدو عليه من صرامة، يخفي مفارقة شديدة العمق مفادها أن اللغة العلمية نفسها لم تسلم من فائض التمثّل الذي يحكم العقل البشري منذ خروجه من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل. فالمصطلحات العلمية، مهما بلغت دقتها، لا تبقى طويلًا داخل حدودها التقنية الصرفة، بل تتحول تدريجيًا، في الوعي الجمعي، إلى كيانات رمزية وأسطورية تتجاوز بكثير معناها الأصلي.
فالإنسان لا يتعامل مع الكلمات بوصفها إشارات محايدة فقط، بل بوصفها حوامل للمعنى والهوية والخيال والتأويل. ولذلك فإن أي مصطلح علمي يخرج من المختبر إلى الفضاء الثقافي يبدأ فورًا باكتساب حياة رمزية مستقلة عن تعريفه العلمي الدقيق.
ولعل أكثر الأمثلة وضوحًا على ذلك كلمات مثل: “الطاقة”، و”الوعي”، و”البعد”، و”الذبذبات”، و”الجينات”، و”الفراغ الكمي”، و”الذكاء الاصطناعي”، و”النسبية”، وغيرها من المصطلحات التي تحولت، في الثقافة المعاصرة، إلى ما يشبه الرموز الميتافيزيقية الجديدة.
فكلمة “الطاقة” مثلًا، في الفيزياء، هي مفهوم محدد بدقة يتعلق بالقدرة على إنجاز الشغل والتحولات الفيزيائية داخل الأنظمة المختلفة. ولكن هذه الكلمة، بمجرد انتقالها إلى الفضاء الثقافي والشعبي، تحولت إلى شيء آخر تمامًا: قوة غامضة، أو جوهر روحي، أو ذبذبة كونية، أو حضور خفي يفسر المشاعر والعلاقات والنجاح والفشل والمرض والشفاء. وكأن العقل البشري لم يحتمل بقاء المصطلح داخل حدوده العلمية الباردة، فأعاد شحنه بالرمز والغموض والمعنى.
والأمر ذاته ينطبق على مصطلحات كثيرة أخرى. فالـ “جينات” لم تعد مجرد تسلسلات بايولوجية، بل أصبحت في المخيال المعاصر تفسيرًا شاملًا للسلوك والهوية والمصير. و”الذكاء الاصطناعي” لم يعد مجرد أنظمة معالجة معلومات، بل تحول إلى صورة مستقبلية مشبعة بالخلاص أو الرعب أو الإلوهية المزعومة أو نهاية الإنسان. أما “ميكانيكا الكم” فقد أصبحت، في الثقافة الشعبية، بابًا مفتوحًا على الروحانيات والأساطير الحديثة أكثر مما هي نظرية فيزيائية دقيقة.
إن المشكلة هنا لا تكمن في سوء فهم المصطلحات العلمية فحسب، بل في ميل العقل البشري البنيوي إلى تحويل كل معرفة إلى رمز، وكل وصف إلى قصة، وكل مفهوم إلى وعاء للمعنى الوجودي. وهنا يظهر فائض التمثّل بوصفه قوة لغوية أيضًا، وليس معرفية فحسب. فالإنسان لا يستخدم اللغة لمجرد نقل المعلومات، ولكن لإعادة تشكيل العالم نفسيًا ورمزيًا. ولذلك فإن لغة العلم، مهما حاولت أن تكون محايدة، لا تستطيع الإفلات تمامًا من البنية العميقة للعقل البشري الذي يعيد دائمًا إنتاج المعنى داخل الكلمات.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذه العملية تحدث غالبًا بصورة غير واعية. فالإنسان لا يشعر عادةً أنه يحوّل المصطلحات العلمية إلى أساطير معاصرة، بل يظن أنه “يفهمها بعمق”. بينما يكون ما يفعله في الحقيقة هو إسقاط احتياجاته النفسية والميتافيزيقية على لغة صُممت أصلًا لتكون تقنية ومحددة.
ومن هنا يمكن فهم لماذا تتحول بعض الكلمات العلمية إلى ما يشبه “الكلمات المقدسة” في الثقافة المعاصرة؛ حيث أنها تمنح الإنسان شعورًا بأنه يتحدث بلغة العلم، بينما يستخدمها فعليًا لإعادة إنتاج أنماط قديمة من التفكير الرمزي والأسطوري.
إن الإنسان، ومنذ بداياته، لم يكن قادرًا على العيش داخل عالم صامت ومحايد بالكامل. ولذلك استخدم اللغة دائمًا لترويض الواقع وتحويله إلى شيء يمكن احتماله نفسيًا. ففي الماضي كانت الأساطير تؤدي هذه الوظيفة، أما اليوم فقد أصبحت المصطلحات العلمية نفسها تؤدي، في كثير من الأحيان، الدور الرمزي ذاته ولكن بلباس حديث.
وهكذا يتحول “العلم” في الوعي الجمعي من مشروع وصفي إلى مستودع جديد للمعاني الغيبية والآمال والمخاوف. فالناس لا يكتفون بفهم المصطلحات العلمية كما هي، بل يحمّلونها دلالات تتجاوز حدودها التقنية بكثير.
ولعل هذا ما يفسر الانتشار الواسع لخطابات تمزج بين العلم والروحانية والتنمية الذاتية والأساطير الجديدة. فالعقل البشري، غير القادر على التخلي عن حاجته إلى المعنى، فيستعير لغة العلم ليعيد من خلالها إنتاج حاجاته القديمة بصورة تبدو أكثر حداثة وشرعية.
إن لغة العلم، مهما بلغت دقتها، لا تدخل إلى عقل محايد، بل إلى كائن مفرط التمثّل، يعيش داخل شبكة من الرموز والتأويلات والاحتياجات الوجودية. ولذلك فإن الكلمات العلمية لا تبقى أبدًا كما هي، بل تتحول مع الزمن إلى كيانات ثقافية مستقلة عن معناها الأصلي.
وهنا تكمن إحدى أعظم مفارقات الحداثة: فالعصر الذي ظن أنه تجاوز الأسطورة، أعاد إنتاجها داخل أكثر اللغات ادعاءً للموضوعية والتجرد. إن الإنسان لا يستطيع أن يترك الكلمات في حيادها الوظيفي. فهو يحولها دائمًا إلى مرايا يرى فيها خوفه وأمله وصورته عن الكون والمصير. ولذلك فإن المصطلحات العلمية، مهما بدت دقيقة، تصبح عاجلًا أو آجلًا جزءًا من الاقتصاد الرمزي للثقافة البشرية.
وهكذا، فإن “فائض التمثّل” لا يلوث فهم الإنسان للعالم فحسب، بل يعيد تشكيل اللغة ذاتها، حتى تغدو أكثر الأدوات دقةً وعقلانية حاملةً من حيث لا تشعر لبذور الأسطورة القديمة نفسها، ولكن تحت أسماء جديدة.
