نحو تربية أخلاقية جديدة… تعليم الإنسان أن ينحاز إلى المظلوم لا إلى الهوية

ثمة خللٌ عميق يكاد يتسلل بصمت إلى معظم النظم التربوية والتعليمية التي عرفها الإنسان عبر تاريخه، ويتمثل في أنها كثيرًا ما نجحت في تعليم الطفل كيف يقرأ ويكتب ويحسب ويفكر، لكنها أخفقت في تعليمه المبدأ الأخلاقي الأكثر جوهرية وبساطة والمتمثل في أن يقف إلى جانب المظلوم ضد الظالم، بصرف النظر عن هوية الطرفين أو انتمائهما أو قوتهما أو قربهما منه.
فالطفل، منذ سنواته الأولى، لا يُلقَّن في الغالب نظامًا أخلاقيًا شاملاً قائمًا على العدالة بوصفها قيمة مطلقة، بل يجري دمجه تدريجيًا داخل أنظمة انحياز ضيقة؛ فيتعلم أن ينصر “جماعته” حتى وإن كانت مخطئة، وأن يتعاطف مع من يشبهه عرقيًا أو دينيًا أو قوميًا أو طبقيًا، وأن ينظر إلى العالم من خلال ثنائية “نحن” و ”هم”، بدل أن يتعلم النظر إليه من خلال ثنائية أكثر إنسانية وأخلاقية: “الظالم” و”المظلوم”.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى نهجٍ تعليمي جديد، لا يكتفي بتدريس الأخلاق بوصفها مادة نظرية أو شعارات إنشائية، بل يجعل من مقاومة الظلم محورًا تأسيسيًا في بناء الوعي الإنساني منذ نعومة الأظفار المعرفية للطفل. فالقضية لا تتعلق بمجرد تلقين كلمات مثل “الرحمة” و”العدل” و”المساواة”، بل ببناء جهاز إدراكي وأخلاقي جديد يتدرّب الطفل من خلاله بصورة منهجية على اكتشاف الظلم، وفهم آلياته النفسية والاجتماعية، والوقوف ضده أينما ظهر.
فالطفل ينبغي أن يُدرَّب منذ سنواته الأولى على أن يسأل دائمًا: من المتضرر؟ من الذي يُسحق؟ من الذي تُنتهك حقوقه؟ وليس أن يسأل: إلى أي جماعة ينتمي هذا الإنسان؟ وما دينه؟ وما لونه؟ وما لغته؟ وما مدى قربه منا؟
فالعدالة الحقيقية لا تُقاس بالولاءات، بل بالقدرة على تجاوزها. ومن هنا ينبغي أن يصبح من الطبيعي في هذا النظام التربوي الجديد أن يقف الطفل إلى جانب الفقير ضد الغني إذا كان الغني ظالمًا، ليس لأن الفقر فضيلة بحد ذاته، بل لأن معيار الموقف الأخلاقي يجب أن يكون مرتبطًا بالعدل وليس بالمكانة الاجتماعية. وينبغي أن يتعلم كذلك أن ينصر الحيوان حين يتعرض للقسوة أو التعذيب أو الاستغلال، وذلك لأن الضعف ليس مبررًا للاستباحة، ولأن الرحمة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود النوع البشري وحده.
كما يجب أن يُربّى على أن لون البشرة لا يمنح أحدًا امتيازًا أخلاقيًا، وأن الوقوف إلى جانب الأسود حين يُظلم من الأبيض، أو إلى جانب أي جماعة تتعرض للتمييز أو الاضطهاد، ليس انحيازًا عاطفيًا أو سياسيًا، بل استجابة طبيعية لمعيار أخلاقي ثابت يرفض الظلم أيًّا كان مصدره. وكذلك الأمر حين يقف إلى جانب المرأة إذا تعرضت للاستبداد أو الإهانة أو العنف، أو إلى جانب الرجل إن وقع عليه ظلم مماثل؛ فالمعيار ينبغي أن يكون دائمًا: أين يقع الظلم؟ لا: من هو الطرف الأقوى اجتماعيًا أو الأكثر شعبية إعلاميًا؟
إن أخطر ما فعلته كثير من الإيديولوجيات عبر التاريخ أنها علّمت الإنسان أن يبرر الظلم إذا صدر من “طرفه”، وأن يتحول إلى قاضٍ أخلاقي صارم فقط حين يكون الظالم هو “الآخر”. وهكذا نشأت ازدواجية المعايير التي مزّقت الضمير الإنساني، حتى أصبح البشر قادرين على إدانة الجريمة ذاتها أو تبريرها تبعًا لهوية مرتكبها وليس لطبيعتها.
ولهذا فإن التربية الأخلاقية الجديدة ينبغي أن تقوم على تدريب الإنسان على التحرر من عبودية الانتماءات العمياء، وعلى امتلاك شجاعة أخلاقية تجعله قادرًا على الاعتراف بالظلم حتى حين يصدر من جماعته أو بيئته أو ثقافته أو من الأشخاص الذين يحبهم ويشعر بالانتماء إليهم. فالعدالة الحقيقية تبدأ حين يصبح الإنسان قادرًا على إدانة نفسه قبل إدانة خصومه. ولا يكفي لتحقيق ذلك مجرد الوعظ الأخلاقي التقليدي، بل ينبغي إعادة تصميم المناهج التعليمية والقصص الموجهة للأطفال والأفلام والأنشطة المدرسية بصورة تجعل الطفل يعيش تدريجيًا داخل بيئة تربوية تُكافئ التعاطف مع الضعيف، والشجاعة في مواجهة الاستعلاء، والقدرة على الدفاع عن المختلف، والرفض الصارم للإذلال والقهر.
فالإنسان لا يولد وهو يمتلك تلقائياً حسًا أخلاقيًا ناضجًا؛ بل أن البيئة هي التي تشكل اتجاه بوصلته الأخلاقية. وإذا كانت المجتمعات قد نجحت عبر قرون طويلة في تعليم الأطفال الطاعة والخوف والتنافس والانتماء القبلي والفئوي، فإنها قادرة أيضًا على تعليمهم العدالة والرحمة العابرة للهويات.
ولعل البشرية اليوم، وسط ما تشهده من حروب وكراهية وعنصرية واستقطاب وانهيار أخلاقي متصاعد، أصبحت بحاجة إلى هذا النوع من التربية أكثر من أي وقت مضى. وذلك لأن العالم لن يتغير فقط عبر القوانين أو العقوبات أو التقدم التقني، بل عبر تكوين أجيال جديدة ترى في الظلم جريمة بحد ذاته، لا مسألة قابلة للتفاوض تبعًا للهوية والمصلحة والانتماء. فحين يتعلم الطفل أن يكون ضميرًا للضعفاء لا تابعًا للأقوياء، يصبح التعليم لأول مرة أداةً حقيقية لصناعة إنسان أكثر عدلًا وإنسانية.

أضف تعليق