
في عام 1926، أصدر الفيلسوف الروحي الأمريكي إرنست هولمز كتابه العمدة “علم العقل” (The Science of Mind)، ليضع بذلك حجر الأساس لحركة “العلم الديني” وتيار “الفكر الجديد”. تميز هذا المصنف بمحاولته الجسورة لدمج “الروحانية التدينية”، والفلسفة المثالية الغربية، بالنزعة العلمية التجريبية. وتتمحور بنية الكتاب حول أربعة محاور رئيسية تشكل هيكله الفلسفي والتطبيقي:
1. وحدة الوجود والذكاء الكوني: حيث يُنظر إلى الكون ككلٍّ حيّ، ليس إلا تعبيرًا ماديًا عن “عقل واحد مطلق” كلي الوجود.
2. آلية القانون الروحي: الطرح القائل بأن العقل البشري نقطة تركيز داخل هذا العقل الكوني، ويتفاعل عبر مستويين؛ “واعي” يختار ويوجه، و”باطن” يستجيب آليًا وبشكل خلاق للأفكار السائدة ليحولها إلى واقع مادي بموجب قانون السبب والنتيجة.
3. العلاج العقلي الروحاني (Spiritual Mind Treatment): وهو الجانب الإجرائي الذي يقدم فيه هولمز “تقنية” علمية-روحية لإعادة برمجة الوعي الباطني، انطلاقًا من أن المرض والندرة ليسا سوى انعكاسات لأفكار خاطئة، وأن الصحة والوفرة هما الأصل الكوني.
4. سيادة الوعي الفردي: حيث يُعاد تعريف الإنسان كصانع لواقعه، يملك عبر بوابته الداخلية مفاتيح صياغة ظروفه الخارجية.
وعلى الرغم من الثورة المفهومية التي حاول كتاب “علم العقل” إحداثها للانعتاق من أسر المادية الصارمة، إلا أن الفحص المعرفي الدقيق لتصوره الجديد عن العالم، وللدور الممنوح للإنسان فيه، يكشف عن تهافت بنيوي خطير. لقد سقط هولمز في ذات الفخ المعياري التقليدي الذي قامت عليه الفلسفات السالفة، والمتمثل بـ الفصل الحاد والمجحف للظواهر بين ما هو “مألوف” (وبالتالي حقيقي وقابل للاعتراف)، وما هو “غير مألوف” (وبالتالي غير حقيقي، أو وهمي، أو مستبعد).
إن هذا الفصل الجائر هو الذي جعل من “الإنسان الذاتي” المعيار الأوحد والحَكَم المطلق للبت في وجود الظواهر أو انتفائها. ولقد نأى هذا المنطق البشري المتمركز حول ذاته عن تدبر احتمالية راديكالية ومحورية مفادها أن يكون للظواهر وجود خاص بها، كينونة مستقلة بذاتها، تدور وتتحقق بمعزل تام عن “الذات الملاحظة” أو الوعي الإنساني.
إن اعتماد مبدأ “المألوفية” كمحدد للحقائق يفضي بالضرورة إلى قصور معرفي فادح؛ فكل ظاهرة تعجز حواسنا عن الإحاطة بها، ستُنفى من سجل الوجود البشري. وهذا العجز ليس مرده بالضرورة إلى “خارقية” ذاتية في الظاهرة، بل وببساطة شديدة، لأن هذه الظواهر تقع خارج مدى التغطية المحدود لهذه الحواس، أو خارج نطاق الوسائط والمستشعرات والمناظير والمراصد التي صنعها الإنسان لتوسيع ذلك المدى.
ويتجلى هذا القصور المعرفي والزمني بوضوح عند المقارنة بين اللحظة التاريخية لإصدار الكتاب والواقع العلمي المعاصر. فالكون اليوم ليس هو الكون الذي كان سائدًا ولغاية عام 1926 (وهو العام الذي صدر فيه هذا الكتاب). ففي ذلك العام، كان الأنموذج العلمي المستقر يرى الكون قابعًا في حدود مجرة واحدة وحيدة (درب التبانة)، بينما يكشف لنا العلم اليوم عن كونٍ يمور بآلاف الملايين من المجرات السابحة في فضاء سحيق متمدد.
وبناءً على هذه القفزة المعرفية، فإن “الظواهر غير المألوفة” اليوم تختلف جذريًا عما كانت عليه آنذاك. وهنا يبرز السؤال النقدي الكبير: “كيف يستطيع كتاب “علم العقل” هذا أن يقدم تصورًا متماسكًا للعالم، وهو يعمد، ومن خلال منظومة معرفية مغلقة، إلى استبعاد كل هذه المجرات الشاسعة، ومعه اقصاء ما تم التثبت منه تجريبيًا في أيامنا هذه من ظواهر خارقة، كانت حتى الأمس القريب تُصنف في خانة الأساطير والخرافات والدجل الغيبي؟”.
إن إعراض هولمز عن تناول موضوع إشكالي كالظواهر الخارقة لم يكن مجرد سقطة عفوية، بل كان استبعادًا بنيويًا تطلبه نسقه القائم على “المألوفية البشرية” لتأمين قبول أفكاره، وهو ما جعل نُقاده المعاصرين يعمون عن هذا الإعراض؛ وذلك لأنهم وهم يهاجمونه، كانوا يشاركونه ذات المقاربة الإبستمولوجية التي تحصر الوجود في حدود الإدراك البشري السائد آنذاك.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن أي “علم للعقل” يدعي الرصانة والعمق المعرفي ينبغي أن يبتدئ وينتهي بإقرار إبستمولوجي متواضع ومحوري، مفاده: أن العقل البشري، وبسبب من عجزه التكويني الأصيل وقصور أدواته المعرفية، سواء كانت أدوات ذاتية بايولوجية أو وسائط تقنية مصنعة، لا يستطيع ولن يستطيع أن يقدم معرفة بالوجود على ما هو عليه في حقيقته المطلقة والمستقلة.
إن أقصى ما بوسع هذا العقل أن ينتجه من علم، وأعلى عتبة يمكن لـ “علم العقل” أن يبلغها، هو ليس أكثر من تقديم صياغة لـ “العالَم كما يعقله هذا العقل”. وبالتالي، فإن اختزال الكون الشاسع بظواهره الخفية، وأبعاد مجراته، وطاقاته الخارقة غير التقليدية، في حدود وعي فردي يبحث عن “الصحة والوفرة اليومية”، هو تقزيم للميتافيزيقا، وتحويل للكون العميق الفسيح إلى مجرد مرآة صغيرة تعكس الرغبات والمخاوف المألوفة للكائن البشري.
