
من أكثر الأخطاء شيوعًا في مقاربة ظاهرة الغلو أن يجري التعامل معها بوصفها محض ظاهرة تدينية فحسب، أو باعتبارها انحرافًا خاصًا بسياق مذهبي أو عقائدي بعينه، وكأن الغلو لا يظهر إلا داخل البيئات المتدينة أو الجماعات العقائدية المغلقة. غير أن التأمل العميق في التاريخ البشري يكشف أن الغلو أوسع بكثير من أن يُختزل في دين أو مذهب أو قومية أو حقبة زمنية محددة، وذلك لأنه في جوهره ليس سوى أحد أكثر التجليات تطرفًا لما يمكن تسميته بـ “فائض التمثّل” الذي رافق العقل البشري منذ اللحظة التي خرج فيها الإنسان من اقتصاد الطبيعة البسيط إلى اقتصاد التمثّل والرموز والمعاني المتراكبة. فالإنسان لا يكتفي غالبًا برؤية الأشياء كما هي، بل يميل بصورة تكاد تكون قهرية إلى تضخيمها وإحاطتها بطبقات كثيفة من الإسقاطات النفسية والرمزية والميتافيزيقية، حتى يفقد قدرته على التمييز بين الواقع وتمثّلاته الخاصة لذلك الواقع. ومن هنا تحديدًا يبدأ الغلو؛ إذ لا يعود الإنسان قادرًا على رؤية الشخصيات أو الأفكار أو الرموز في حدودها البشرية والطبيعية، بل يشرع في إعادة تشكيلها داخل مخيلته بطريقة تجعلها تتجاوز حدود الإنسان العادي، ثم تتجاوز حدود الإنسان أصلًا.
وهكذا يتحول الإعجاب الطبيعي إلى تقديس، ويتحول الاحترام إلى خضوع، ويتحول الانبهار إلى عبودية نفسية ورمزية، حتى يبلغ الأمر أحيانًا حد التأليه الصريح أو الضمني. فالإنسان، حين يعجز عن مواجهة هشاشته الوجودية وضعفه النفسي وشعوره العميق بالضياع داخل العالم، يبحث بصورة لاواعية عن “مركز مطلق” يلوذ به، وعن كيان يعلّق عليه خوفه ورجاءه وأحلامه وعجزه. ومن هنا يصبح الغلو محاولة نفسية للهروب من عبء الحرية والمسؤولية والقلق الوجودي، عبر تسليم الذات إلى شخصية أو فكرة أو جماعة يجري تضخيمها حتى تغدو فوق النقد وفوق المساءلة وفوق الطبيعة البشرية نفسها.
ولهذا لم يكن الغلو حكرًا على الأديان. فالتاريخ الإنساني يكشف أن الإنسان قد مارس الغلو في الزعماء كما مارسه في الأنبياء، ومارسه في القادة العسكريين كما مارسه في الفلاسفة والمفكرين والثوار، بل وحتى في الفنانين والنجوم والمشاهير. فالفراعنة جرى تأليههم، والأباطرة الرومان نُظر إليهم بوصفهم ذوي طبيعة شبه إلهية، وبعض الزعماء السياسيين في العصر الحديث تحوّلوا داخل وعي أتباعهم إلى كائنات معصومة من الخطأ، بينما أنتجت الإيديولوجيات الحديثة بدورها أنماطًا جديدة من الغلو لا تقل تطرفًا عن الغلو التديني، وإن ارتدت لباسًا علمانيًا أو قوميًا أو ثوريًا.
بل إن الإنسان المعاصر، رغم ادعائه التحرر من الأساطير القديمة، ما يزال يعيد إنتاج الغلو بأشكال أكثر تعقيدًا وحداثة. فبعض الجماهير تتعامل مع شخصيات سياسية أو فكرية أو إعلامية كما لو كانت تمتلك قدرة مطلقة على الفهم والإنقاذ والهداية، وتتحول أقوال تلك الشخصيات إلى حقائق نهائية غير قابلة للنقاش، ويغدو مجرد نقدها نوعًا من “التجديف” الرمزي داخل الجماعة المؤمنة بها. وهكذا يعيد “فائض التمثّل” إنتاج البنية ذاتها، حتى وإن تبدلت الأسماء والشعارات والرايات.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة العميقة بين الغلو وبين قصور الإنسان عن احتمال حدود الواقع. فالإنسان بطبيعته يميل إلى النفور من النقص والالتباس والغموض، ويرغب دائمًا في العثور على يقين مطلق وشخصية مكتملة ونموذج نهائي يضع فيه ثقته الكاملة. غير أن الواقع البشري بطبيعته ناقص ومتغير وهش، ولذلك يتدخل “فائض التمثّل” لكي “يسدّ الفراغ” عبر صناعة صور متخيلة للكمال المطلق. وهكذا لا يعود الإنسان يتعامل مع الشخص الحقيقي كما هو، بل مع النسخة المتخيلة التي صنعها له خياله الجمعي.
والأخطر من ذلك أن الغلو لا يكتفي بتشويه صورة الشخص المغالى فيه، بل يعيد تشكيل أتباعه أنفسهم. فالمغالون يفقدون تدريجيًا قدرتهم على التفكير النقدي المستقل، وذلك لأنهم يسلّمون عقولهم طوعًا إلى سلطة متخيلة أعلى منهم. وهكذا تتحول العلاقة بين الإنسان والرمز المغالى فيه إلى علاقة تبعية نفسية وفكرية كاملة، يصبح معها الدفاع عن ذلك الرمز أهم من الدفاع عن الحقيقة ذاتها.
ولهذا كثيرًا ما يتحول الغلو إلى بوابة للعنف والإقصاء والكراهية. فحين تُرفع شخصية أو فكرة إلى مرتبة التعالي المطلق، يصبح كل اختلاف معها تهديدًا وجوديًا وليس مجرد اختلاف فكري. ومن هنا تبدأ عمليات التخوين والتكفير والتقديس المرضي والاستعداد لإلغاء الآخر دفاعًا عن “المقدس المتخيَّل”. وهكذا يتحول فائض التمثّل من مجرد آلية إدراكية إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل المجتمعات والتاريخ والسياسة والتدين والحروب.
ومن اللافت أن أكثر الشخصيات التي جرى الغلو فيها عبر التاريخ كانت في كثير من الأحيان شخصيات بشرية عادية نسبيًا من حيث تكوينها البشري، غير أن الجماعات المحيطة بها احتاجت نفسيًا إلى تحويلها إلى ما هو أكبر من الإنسان. وهذا يكشف أن الغلو لا ينبع دائمًا من “عظمة” الشخص المغالى فيه بقدر ما ينبع من حاجة الجماعة نفسها إلى صناعة كيان متعالٍ يختصر قلقها وخوفها وأحلامها وتطلعاتها.
ومن هنا فإن مقاومة الغلو لا تبدأ فقط بمحاربة الأفكار المتطرفة، بل تبدأ أولًا بإعادة الإنسان إلى وعيه بحدوده البشرية، وبأن النقص جزء أصيل من الطبيعة الإنسانية، وأن البحث عن الكمال المطلق داخل البشر لا يقود إلا إلى إنتاج الطغيان والعبودية الفكرية والروحية. فكلما ازداد الإنسان قدرة على احتمال الغموض والنقص والاختلاف، تراجعت حاجته النفسية إلى صناعة الأصنام، سواء كانت أصنامًا حجرية قديمة أو أصنامًا بشرية حديثة ترتدي ثياب السياسة أو الدين أو الثقافة أو الثورة أو حتى العلم نفسه.
وفي نهاية المطاف، قد لا يكون الغلو سوى الوجه الآخر لعجز الإنسان عن التصالح مع هشاشته الوجودية. فالإنسان الذي يخاف ضعفه يبحث دائمًا عمّن يؤلّهه، والإنسان الذي يعجز عن فهم العالم كما هو يميل إلى اختراع كائنات متعالية تمنحه شعورًا متوهمًا بالأمان والمعنى والسيطرة. وهكذا يستمر فائض التمثّل في أداء دوره التاريخي بوصفه القوة التي لا تكتفي بإعادة تفسير الواقع، بل تعيد أحيانًا صناعة الآلهة نفسها.
