لم تكن العبارة الشهيرة لغوته “ثق بالذين يبحثون عن الحقيقة، وشُكَّ في أولئك الذين يزعمون أنهم وجدوها”، إلا صدى حديثاً لوعيٍ بشريٍ متجذر، نجد تأصيله الفكري الأعمق، وسبقه التاريخي، في فلسفة الشرق والغرب على حد سواء. فإعلاء قيمة “الرحلة” على “الوصول”، والتشديد على أن الحقيقة كامنة في الحركة وليس في السكون، هو المبدأ الحاكم الذي يلتقي فيه عبقري الأدب الألماني يوهان فولفغانغ فون غوته، مع رواد التصوف في الإسلام في صياغة فريدة للوعي البشري. فإذا أردنا ردّ الفكرة إلى منبعها الفلسفي في الفكر الغربي الحديث، فإن غوته هو صاحب السبق في جعل “السعي المستمر” (Streben) قانوناً إنسانياً وأخلاقياً مطلقاُ. ويتجلى هذا بوضوح في رائعته “فاوست”. فالحقيقة عند غوته ليست محطة قطار نهائية ينزل فيها المسافر ليستريح، بل هي درب لا ينتهي؛ والخطأ في طريق البحث أسمى بكثير من اليقين القائم على الجمود، لأن السعي، حتى وإن شابَه الضلال أحياناً، هو دليل حيوية الروح وتوقها للمطلق.
وهذا التشديد الذي أصر عليه غوته، قد سبق وأن صاغه رواد التصوف في الإسلام قبل قرون عدة، وجعلوه بنية تحتية لمنظومتهم السلوكية والمعرفية. ولم يكن ذلك مجرد ترف فكري، بل تجسد في مصطلحاتهم التي لا تزال تزخر بدلالات بالغة الدقة:
• المُريد.. من يريد وليس من وصل، فالصوفي في مبتدأ أمره ومنتهاه هو “مُريد”، واللفظ مشتق من الإرادة والتوق. والمُريد هو الذي يريد الوصول إلى الحقيقة، وهو بالضرورة إقرار ضمني ومستمر بأنه لما يصل بعد؛ فهو الذات الباحثة التي تتغذى على الشوق والطلب، وليست الذات المكتفية بنشوة الادعاء.
• الطريقة.. دوام الرحلة. فالمتصوفة يسمون مذهبهم “طريقاً” أو “طريقة”. والطريق في لغة العرب يقتضي السيرورة، والرحلة، وبذل الوقت، والمجاهدة، وبذل المجهود بغية الترقي. فالتصوف بهذا المعنى هو “سفر إنساني مستمر” داخل آفاق النفس والكون، وهي رحلة تغدو فيها الحركة الضامن الوحيد لعدم سقوط السالك في فخ الوهم العقائدي والجمود الفكري.
وفي هذا الفضاء الفكري المشترك، يبرز دور “الأستاذ” (أو الشيخ وفقاً للاصطلاح الصوفي) ليس بوصفه مالكاً للحقيقة يلقنها لمريديه، بل بوصفه دليلاً يحرس استمرارية الرحلة.
فالمهمة الأسمى للأستاذ هي الحيلولة دون وقوع المريد في شرك “اليقين الكاذب”. فهو الذي يشدد على ضرورة البقاء على الطريق، ويحذر من مغبة الالتفات أو التوقف ظناً بأن المحطة الحالية هي نهاية المطاف. فواجب الأستاذ هو إبقاء شعلة البحث متقدة، وتذكير السالك دائماً بالمبدأ الحاكم: “أنت باحث عن الحقيقة، سائر على الدرب الموصل إليها، وإياك أن تنسى أنك لم تصل بعد، فالوصول في هذا الطريق هو ركود الروح، والركود هو الفناء فكراً ومعنى”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن تلاقي غوته مع رواد التصوف في الإسلام يثبت أن الحكمة البشرية تلتقي عند مصب واحد؛ وهو أن الثقة لا تُمنح لمن يدّعي حيازة الحقيقة في جيبه، ليتحول مع الوقت إلى وصيّ على عقول الآخرين، بل تُمنح لذلك السائر، المتواضع، المستعد دائماً لإعادة فحص معارفه، والذي يدرك أن شرف الإنسان لا يكمن في امتلاك الحقيقة، بل في السعي بحثاً عنها.
ويكفينا في هذا السياق أن نستذكر مقولة الشيخ ابن عربي: ” الوقوف وراء الحجب حجاب”، والتي تؤكد أن التصوف قائم على أساس من مواصلة الرحلة الى الله وأن التوقف لن ينجم عنه إلا الضلال المبين.
