
من أكثر التداعيات الميتابايولوجية عمقًا وخطورةً تلك التي ظهرت بعد الانعطافة التطورية الأولى، أي بعد خروج الإنسان من “اقتصاد الطبيعة” البسيط إلى “اقتصاد التمثّل” القائم على فائض المعنى والصور والتوقعات والخيالات. فهذه الانعطافة لم تُنتج فقط الإنسان القادر على التفكير الرمزي واللغة والتخطيط، بل أطلقت في الوقت ذاته سلسلةً من الاختلالات البنيوية التي جعلت الكائن البشري عاجزًا عن الاكتفاء بوظائفه الحيوية كما هي، فصار يُعيد تضخيمها وتحميلها طبقاتٍ متراكبة من التصورات والانفعالات والرموز التي تتجاوز أي ضرورةٍ بايولوجية مباشرة.
ولعلّ واحدًا من أكثر هذه الاختلالات فداحةً يتمثل فيما يمكن تسميته بـ “الحب الهرموني”، أي ذلك البناء النفسي والتمثّلي الضخم الذي نشأ على هامش الدافع الجنسي البايولوجي، حتى غدا الإنسان يتعامل مع التفاعل الهرموني المؤقت بوصفه حقيقةً ميتافيزيقية كبرى، أو قدرًا كونيًا، أو اتحادًا روحانيًا مطلقًا، أو خلاصًا وجوديًا نهائيًا، مع أن القسم الأعظم مما يحدث في هذا السياق ليس سوى تفاعلات كيميائية عصبية صُممت أصلًا لخدمة غاية محددة تتعلق باستمرار النوع وإعادة إنتاجه.
فالحيوان، داخل اقتصاد الطبيعة، لا يحتاج إلى هذا التضخم التمثّلي الهائل لكي يمارس الفعالية الجنسية. إذ إن الجنس عند الحيوان يبقى، في أغلب الأحوال، نشاطًا وظيفيًا مباشرًا تحكمه الإشارات البيولوجية والهرمونية المرتبطة بالتناسل وبقاء النوع. فلا وجود هناك لفكرة “النصف الآخر”، ولا للانهيارات الوجودية بسبب الفقد العاطفي، ولا لتلك الشبكات الهائلة من الغيرة المرضية والتملك والهوس والانتظار والدراما النفسية التي أصبحت تشكل جزءًا أساسيًا من الحياة البشرية الحديثة.
أما الإنسان، وبعد أن وقعت بنيته الإدراكية تحت هيمنة فائض التمثّل، فقد بدأ بتحويل التفاعل الجنسي إلى مشروعٍ تخييليّ كامل. وهكذا لم يعد الجسد مجرد وسيطٍ بايولوجي، بل تحول إلى منصة إسقاط نفسي ورمزي تتراكم فوقها الأوهام والتصورات والرغبات المؤجلة والتوقعات المستحيلة. وأصبح الفرد لا يرى الشريك كما هو، بل كما يتخيله، أو كما يحتاجه نفسيًا، أو كما يريد أن يملأ به فراغاته الوجودية الداخلية.
ومن هنا تحديدًا بدأ “الحب الهرموني” يتحول إلى واحد من أعظم مصانع الوهم في تاريخ الإنسان. فالإنسان لا يقع غالبًا في حب الشخص ذاته، بل يقع في حب التمثّل الذي صنعه عنه داخل عقله. إنه يحب الصورة المتخيلة أكثر مما يحب الواقع، ويعشق الإسقاطات النفسية أكثر مما يعشق الكائن الحقيقي القائم أمامه. ولهذا السبب كثيرًا ما تنهار العلاقات بمجرد أن يبدأ الاحتكاك الطويل بإزالة الطبقات التمثّلية وكشف الواقع كما هو، إذ يتفاجأ الإنسان بأنه كان يتعامل مع بناء ذهني أكثر مما كان يتعامل مع إنسان فعلي.
ولأن فائض التمثّل لا يعرف حدودًا، فقد أخذ هذا الوهم بالتضخم عبر التاريخ حتى تحوّل الحب إلى صناعة حضارية كاملة تستهلك القسم الأعظم من الطاقة النفسية والاقتصادية والرمزية للبشر. فكمية الأغاني والروايات والأفلام والقصائد والأساطير والطقوس الاجتماعية والإنفاق المالي والوقت الضائع والانهيارات النفسية والصراعات والعنف والجرائم والحروب الصغيرة التي نشأت بسبب هذا “الحب الهرموني” تكشف حجم الكلفة الهائل الذي دفعه النوع البشري نتيجة انحراف الوظيفة الجنسية عن بساطتها الطبيعية الأولى عند الحيوان.
لقد أصبح الجنس عند الإنسان محمّلًا بكمية من المعاني تفوق بكثير أي منفعة مباشرة للنوع. فتحول إلى مجال للمكانة الاجتماعية، والهيمنة النفسية، والتفاخر، والاستعراض، وإثبات الذات، والهروب من الوحدة، وطلب الاعتراف، وملء الفراغ الوجودي، وحتى البحث عن الخلاص الروحي. وهكذا جرى استنزاف الطاقة البشرية داخل دوائر لا نهائية من التوترات العاطفية والخيالات والتوقعات والانكسارات، بينما كانت الطبيعة، في أصل تصميمها، تحتاج فقط إلى حدٍّ أدنى من التفاعل يكفل استمرار الحياة.
بل يمكن القول إن “الحب الهرموني” يمثل مثالًا نموذجيًا على الطريقة التي يعيد بها فائض التمثّل إنتاج الوهم داخل العقل البشري. فالهرمونات تمنح الإنسان دفعة انفعالية مؤقتة، لكن فائض التمثّل يتولى تحويل هذه الدفعة العابرة إلى سردية وجودية ضخمة، فيتوهم الفرد أنه عثر على معنى حياته النهائي، أو على شخصٍ “استثنائي” لا يمكن تعويضه، رغم أن التاريخ البشري نفسه يبرهن بصورة متكررة على قابلية الإنسان لإعادة إنتاج المشاعر ذاتها مع أشخاص آخرين بعد زوال الظروف الكيميائية والنفسية السابقة.
ومن هنا تظهر المفارقة الميتابايولوجية الكبرى: فالكائن الذي امتلك قدرةً إدراكية أعلى من الحيوان، انتهى في بعض الجوانب إلى الوقوع داخل أوهام أكثر تعقيدًا وأشد استنزافًا. فالذكاء التمثّلي الذي منح الإنسان اللغة والفن والفلسفة والعلم، هو ذاته الذي جعله عاجزًا عن إبقاء بعض الوظائف الحيوية ضمن حدودها الطبيعية البسيطة، فحوّلها إلى متاهات نفسية وحضارية هائلة.
وهكذا لم يعد الحب، في صورته البشرية الحديثة، مجرد ظاهرة عاطفية، بل أصبح واحدًا من أعظم تجليات فائض التمثّل بعد الانعطافة التطورية الأولى؛ أي ذلك الحدث الذي جعل الإنسان يغادر براءة الطبيعة ليدخل عالم التخيّل الرمزي الذي لا يشبع، حيث يتحول التفاعل الهرموني العابر إلى “قدر”، وتتحول الحاجة البايولوجية المحدودة إلى اقتصاد كامل من الوهم والهدر والإسراف النفسي والحضاري.
