تراجيديا العلم… هل هي قَدَر محتوم؟

حين يُستعرض تاريخ العلم الحديث، يُقدَّم غالبًا بوصفه قصة انتصار متواصل للعقل على الجهل، وللمنهج على الخرافة، وللبرهان على الوهم. ومن هنا ترسخت صورة تبسيطية ترى أن العقبة الأساسية التي واجهت العلم عبر التاريخ كانت دائمًا نقص المعرفة أو مقاومة المجتمعات المتخلفة للتقدم العلمي. غير أن هذا التصور، على ما فيه من جانب صحيح، يغفل حقيقة أعمق وأكثر إزعاجًا: وهي أن المشكلة الكبرى التي واجهت العلم لم تكن الجهل وحده، بل الإنسان نفسه.
فالعلم، من حيث هو منهج، يمتلك قدرة استثنائية على تصحيح الأخطاء وتقليص مساحة الوهم عبر الملاحظة والتجربة والتكرار والنقد. لكن هذا المنهج لا يعمل في فراغ، بل داخل عقل بشري مثقل بالرغبات والمخاوف والهويات والتمثّلات والإيديولوجيات. ومن هنا فإن أكبر تهديد للعلم لم يكن دائمًا في غياب المعرفة، بل في استحالة منع الإنسان من تحويل المعرفة إلى امتداد لصراعاته النفسية والحضارية والوجودية.
فالإنسان لا يتعامل مع الحقيقة بوصفها معطًى محايدًا فقط، بل بوصفها شيئًا يمس صورته عن ذاته والعالم. ولهذا فإن أي اكتشاف علمي كبير لا يبقى طويلًا داخل حدوده التقنية، بل يتحول سريعًا إلى ساحة صراع رمزي. فالإنسان لا يقرأ العلم بعقله فقط، بل بهويته أيضًا.
ولعل تاريخ العلم نفسه يكشف ذلك بوضوح. فالنزاعات الكبرى حول مركزية الأرض، والتطور، والعمر الحقيقي للكون، وطبيعة الإنسان، والوعي، لم تكن صراعات حول “البيانات” فحسب، بل كانت صراعات حول معنى الإنسان وموقعه في الوجود. ولذلك كان العلم، في كثير من الأحيان، ضحية لحاجة الإنسان إلى حماية سردياته الكبرى أكثر مما كان ضحية للجهل البسيط.
إن العقل البشري، منذ خروجه من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل، لم يعد قادرًا على استقبال المعرفة بوصفها وصفًا محايدًا للعالم. لقد أصبح كائنًا يحوّل كل معرفة إلى جزء من بنية رمزية أوسع. ومن هنا، فإن المعادلات والقوانين والنظريات لا تبقى أبدًا “علمًا خالصًا”، بل تُسحب إلى داخل الصراعات الإيديولوجية والدينية والسياسية والثقافية. وهكذا يتحول العلم، من حيث لا يشعر الإنسان، إلى ضحية لبنية العقل البشري ذاته.
فالإنسان لا يحتمل أن تظل الحقيقة مستقلة عنه. ولذلك يسعى باستمرار إلى تطويعها لتخدم احتياجاته النفسية والجماعية. فحين يكتشف العلم شيئًا جديدًا، لا يسأل الإنسان فقط: “هل هذا صحيح؟”، بل يسأل أيضًا: “ماذا يعني هذا بالنسبة لي؟ وهل يهدد صورتي عن العالم أم يدعمها؟”.
ومن هنا تبدأ عملية “التلوث التمثّلي” للمعرفة العلمية. فالنظريات تُستخدم لإثبات التفوق العرقي أو الحضاري، أو لتبرير الإيديولوجيات، أو لدعم المعتقدات الدينية، أو لنفيها، أو لتحويل الإنسان إلى مجرد آلة بايولوجية، أو إلى كائن إلهي مزعوم. وكل ذلك يحدث رغم أن المعادلات نفسها لا تقول شيئًا من هذا كله. فالعلم، في ذاته، لا يمتلك إيديولوجيا، لكن الإنسان يحقنه بها باستمرار.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا التشويه لا يأتي فقط من العامة أو من خصوم العلم التقليديين، بل من داخل البنية الحضارية التي تنتج العلم نفسه. فالعلماء، مهما بلغوا من الصرامة، يظلون بشرًا يحملون تحيزات عصرهم وثقافتهم وافتراضاتهم الوجودية. ولهذا فإن تاريخ العلم ليس فقط تاريخ اكتشافات، بل أيضًا تاريخ طويل من الانحيازات، واليقينيات المؤقتة، والصراعات الرمزية التي اختلط فيها البحث عن الحقيقة بالرغبة في السلطة والهيمنة والطمأنينة الوجودية.
إن الإنسان لا يريد من العلم أن يفسر له العالم فحسب، ولكنه يريد أن يمنحه شعورًا بالسيطرة عليه. ولذلك يتحول العلم أحيانًا إلى أداة للهيمنة الحضارية، أو إلى دين جديد، أو إلى خطاب يمنح الإنسان الحديث شعورًا بالتفوق الأخلاقي والعقلي على الماضي وعلى الآخرين.
وهنا تظهر إحدى أعظم مفارقات الحداثة: فالعصر الذي رفع شعار الموضوعية العلمية، لم يستطع أن يمنع نفسه من تحويل العلم إلى جزء من الصراع الهوياتي والميتافيزيقي للبشرية.
ولعل فيزياء الكم تقدم مثالًا صارخًا على ذلك. فالمعادلات واحدة، لكن البشر حوّلوها إلى ساحة تتصارع فيها الروحانيات الشرقية، والمادية الغربية، والفلسفات الوجودية، والتنمية البشرية، وحتى الخرافات الجديدة. وكأن الإنسان غير قادر أصلًا على ترك المعرفة في حدودها الوصفية الصامتة.
إن المشكلة ليست في العلم، بل في الكائن الذي يمارسه. فالعلم أداة شديدة القوة، لكن هذه الأداة تقع دائمًا في يد عقل لا يستطيع التحرر الكامل من حاجته إلى المعنى والهوية والانتماء. ولذلك فإن الإنسان لا يكتفي بفهم العالم، بل يعيد تشكيله نفسيًا ورمزيًا حتى وهو يدرسه علميًا.
ومن هنا يمكن فهم لماذا لم يؤدِّ التقدم العلمي إلى إنهاء الانقسامات البشرية، بل أحيانًا إلى تعقيدها. لأن العلم لم يغيّر البنية العميقة للعقل الإنساني؛ ذلك العقل الذي لا يرى الحقائق وحدها، بل يرى أيضًا ما تعنيه هذه الحقائق بالنسبة لسردياته الخاصة.
إن الإنسان، بهذا المعنى، لا يضطهد العلم دائمًا عبر رفضه، بل قد يضطهده أيضًا عبر تأليهه وتحويله إلى أداة لخدمة يقينياته الجديدة. فالعلم حين يتحول إلى عقيدة مغلقة يفقد روحه النقدية، ويصبح مجرد سلطة أخرى داخل الاقتصاد الرمزي للإنسان.
ولعل السؤال الحقيقي ليس: “كيف نحمي العلم من الجهل؟”، بل: “كيف نحميه من الإنسان نفسه؟”؛ كيف نحميه من ميل العقل البشري إلى تحويل كل معرفة إلى هوية، وكل نظرية إلى عقيدة، وكل اكتشاف إلى سلاح داخل الصراع الأبدي حول المعنى والسلطة والوجود؟
لعل الجواب الأكثر واقعية هو أن هذا مستحيل بالكامل. لأن الإنسان، بوصفه كائنًا مفرط التمثّل، لا يستطيع أن يتعامل مع الحقيقة بوصفها حقيقة فقط. إنه يضيف نفسه دائمًا إلى ما يعرفه، ويطبع العالم بطابعه الخاص حتى وهو يحاول فهمه.
وهكذا، فإن العلم لم يكن يومًا ضحية الجهل وحده، بل ضحية ذلك الكائن القلق الذي لا يستطيع رؤية أي حقيقة دون أن يسأل فورًا: ماذا تعني بالنسبة لي؟

أضف تعليق