أيقونة الثورة وعناد الذاكرة… كيف هزم “تشي جيفارا” سرديات التشويه؟

رغم مرور عقود على رحيله في أدغال بوليفيا، لا يزال وجه إرنيستو “تشي” جيفارا بنظرته الحادة المتطلعة نحو الأفق وبيريه النجمي الأحمر، يتصدر قمصان الشباب، وجدران الجامعات، وساحات الاحتجاج عبر العالم. وسر هذا الإعجاب العابر للأجيال منذ ستينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، لا يكمن فقط في كاريزما الرجل، بل في كونه تجسيداً حياً لـ “الثائر الحقيقي”؛ ذلك الإنسان الذي تخلى عن رغد العيش ومستقبله كطبيب ليحمل بندقيته ويدافع عن المقهورين، محولاً الفكرة النظرية إلى ممارسة معمدة بالتضحية المطلقة.
فجيفارا يمثل لأجيال الشباب المتعاقبة، النقاء الثوري في مواجهة عالم مادي براغماتي. فهو الرمز الرومانسي للرفض، والبديل النقي عن السياسيين المحترفين، مما جعله أشبه بـ “قديس علماني” لكل من يحلم بالعدالة والحرية.
إن هذا الحضور الطاغي لرمزية جيفارا، وتحوله إلى ملهم دائم لحركات التحرر والرفض الشبابي، أثار ذعر أصحاب الفكر الاستعماري والإمبريالي. فلم يمثل جيفارا لهم مجرد مقاتل رحل، بل “عدوى فكرية” تهدد مكامن السيطرة الرأسمالية. وأمام عجز هؤلاء الطغاة المستبدين عن محو صورته من القلوب، انتقلوا إلى استراتيجية “اغتيال الشخصية”. ولتحقيق ذلك، جُنّدت الماكينات الإعلامية والمؤسسات الفكرية التابعة للمنظومة الاستعمارية لصناعة سرديات مضادة، وذلك عبر:
• تلفيق السرديات المضللة: تصويره كديكتاتور دموي متعطش للسلطة، وتجريده من نقاء ثوريته وعمقه الفكري والأدبي.
• اختلاق الشهادات المزورة: الاستعانة بـ “عملاء” أو منشقين مدفوعي الأجر لتقديم شهادات تاريخية مشوهة تفتقر إلى الحد الأدنى من التوثيق الأكاديمي.
• إيراد الأخبار الزائفة: فبركة قصص عن خلافات موهومة بينه وبين رفيق دربه كاسترو، أو اختلاق مذكرات ورسائل لم يكتبها قط، لإظهاره بمظهر الخائن أو اليائس.
ولكن، وهنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى؛ فلقد ارتد السحر على الساحر. فكلما أمعنت الماكينة الإمبريالية في تشويه صورة جيفارا، زاد الشباب حباً له وتعلقاً برمزيته. فلم تزد هذه الهجمات جيفارا في عيون جيل بعد جيل إلا بريقاً وتألقاً. إن محاولة تشويه جيفارا كانت كمن يحاول حجب ضوء الشمس بغربال؛ فالشباب غريزياً يدركون الفرق بين زيف الآلة الإعلامية الحاكمة، ونقاء الفكرة التي أُغتيل من أجلها الرجل.
لقد تحول التشويه إلى دليل إدانة ضد النظام العالمي نفسه، ورسخ التعلق الرومانسي بـ “التشي” بصفته النقيض الكامل لكل ما تمثله الإمبريالية من زيف وخداع. وبقيت صورة جيفارا عصية على الكسر، تؤكد أن الجسد قد يموت، لكن الأيقونة تولد من جديد مع كل صيحة حرية يطلقها شاب في هذا العالم.
وخير ما تختتم به هذه المقالة كلمات جيفارا التي لا تزال حية اليوم كما كانت يوم أطلقها أول مرة مطلع ستينيات القرن الماضي: “لا يهمني متى وأين سأموت بقدر ما يهمني أن يبقى الثوار يملأون العالم ضجيجاً كي لا ينام العالم على آلام الفقراء”.

أضف تعليق