الفرد في مواجهة النوع… حين يتمرد الإنسان على منطقه البايولوجي

ثمة توترٌ عميق يكاد يزداد اتساعًا داخل الحضارة الإنسانية المعاصرة، ويتمثل في العلاقة المتأزمة بين الفرد بوصفه كيانًا يسعى إلى الاستقلال المطلق، وبين النوع البشري بوصفه منظومةً حيوية تمتلك أهدافها الخاصة التي تتجاوز إرادة الأفراد ورغباتهم وتصوراتهم الذاتية. ولعلّ هذا التوتر يتجلّى بأوضح صوره في الصراع المتصاعد حول الجسد الإنساني عمومًا، وحول جسد المرأة على وجه الخصوص، حيث أخذ الإنسان الحديث يتعامل مع تكوينه البايولوجي كما لو كان ملكية فردية خالصة منفصلة تمامًا عن المقاصد الكبرى التي صاغتها الطبيعة عبر ملايين السنين من التطور والانتخاب والاصطفاء الحيوي.
ومن هنا برزت، داخل قطاعات واسعة من الخطاب الغربي المعاصر، نزعةٌ متزايدة ترى أن جسد المرأة ليس سوى “ملكية شخصية مطلقة” يحق للأنثى أن تعيد تعريف وظائفه وحدوده ودلالاته كيفما شاء، بمعزلٍ عن أي اعتبار يتجاوز الإرادة الفردية. غير أن هذا التصور، على ما يبدو عليه من انسجام مع النزعة الفردانية الحديثة، قد يخفي مفارقةً بايولوجية وفلسفية شديدة العمق، تتمثل في أن الجسد الإنساني نفسه لم يُصمم أصلًا وفق منطق “الفرد المستقل”، بل وفق منطق “النوع” واستمراريته.
فثدي الأنثى، سواء في عالم الإنسان أو الحيوان، لم ينشأ بوصفه زينةً جمالية أو رمزًا فرديًا للحرية الشخصية، بل بوصفه جزءًا من منظومة وظيفية ضخمة هدفها المركزي ضمان بقاء النسل واستمرار الأجيال الجديدة. فوظيفة الثدي البايولوجية، في أصلها العميق، ليست خدمة الفرد، بل خدمة النوع. والطبيعة، في مختلف الكائنات الثديية، لا تبني أعضاءها وفق أهواء الكائن الفردي أو تصوراته الذاتية، وإنما وفق ما يحقق أعلى كفاءة ممكنة في حماية السلالة واستمرارها.
ومن هنا يمكن النظر إلى النزعة التي باتت ترى في الثدي “ملكية خاصة خالصة” بوصفها مثالًا آخر على الانفصال المتزايد بين الإنسان الحديث وبين المنطق الطبيعي الذي صاغ وجوده. فالإنسان، منذ خروجه من “اقتصاد الطبيعة” إلى “اقتصاد التمثّل”، أخذ يعيد تفسير وظائفه البايولوجية بلغة الحقوق والرغبات والرموز والهويات، حتى بات يتوهم أحيانًا أن له سيادة مطلقة على تكوينٍ لم يصنعه أصلًا، ولم يُبنَ وفق غاياته الفردية الضيقة.
غير أن المشكلة الأعمق هنا لا تتعلق بحقوق المرأة بحد ذاتها، ولا بقدرتها على اتخاذ القرارات المتعلقة بجسدها، بقدر ما تتعلق بالوهم الفلسفي الذي يجعل الإنسان الحديث ينسى أن الفرد نفسه ليس كيانًا منفصلًا عن النوع، بل هو تمظهرٌ مؤقت لمشروعٍ حيوي أوسع منه بكثير. فالكائن الحي لا يحمل في داخله أهدافه الفردية فقط، بل يحمل أيضًا آثار “إرادة النوع” المزروعة داخل بنيته التشريحية والهرمونية والعصبية والوظيفية.
ولهذا فإن كثيرًا مما يتصوره الإنسان المعاصر “حقًا فرديًا مطلقًا” قد لا يكون كذلك على المستوى البايولوجي العميق. فالطبيعة لا تعترف أصلًا بمفهوم “الملكية الفردية المطلقة للجسد” بالصورة التي يتخيلها الوعي الحديث، لأن الجسد نفسه هو نتاج تاريخ طويل من الاصطفاء الذي صاغ كل عضو فيه لخدمة وظائف تتجاوز الفرد نحو البقاء والتناسل والاستمرار.
ومع ذلك، فإن هذه الحقيقة لا تعني اختزال المرأة إلى مجرد أداة بايولوجية أو إنكار تمايزها الخَلقي عن الرجل وحقوقها المكافئة لحقوقه ومنها حقها في الاختيار وتقرير المصير، وذلك لأن الإنسان، بخلاف الحيوان، كائن يمتلك وعيًا ذاتيًا وقدرةً على إعادة التفكير بوظائفه وحدود وجوده. ولكن الإشكال يظهر حين يتحول هذا الوعي إلى قطيعة كاملة مع الواقع البايولوجي، وحين يُعاد تفسير كل بنية وظيفية داخل الجسد بوصفها شأنًا رمزيًا صرفًا لا علاقة له بتاريخ النوع أو بحاجاته الوجودية الكبرى.
ومن هنا تبدو الأزمة الحديثة، في أحد وجوهها العميقة، أزمةَ صراعٍ بين منطقين: منطق النوع الذي ما يزال حاضرًا داخل الجسد والتكوين الفيسيولوجي، ومنطق الفرد الذي يريد التحرر الكامل من كل غاية تتجاوز رغبته الذاتية الآنية. وهذا التوتر ليس خاصًا بقضية المرأة وحدها، بل يمثل أحد أكثر مظاهر الحضارة الحديثة تعبيرًا عن الانفصال التدريجي بين الإنسان وبين البنية الطبيعية التي نشأ وترعرع في ربوعها.
فالإنسان المعاصر، في كثير من الأحيان، لا يريد فقط أن يعيش داخل الطبيعة، بل يريد أن يُعيد تعريف الطبيعة نفسها وفق تمثلاته الذاتية، حتى وإن اصطدمت هذه التمثلات بالبنية الوظيفية العميقة التي تشكل وجوده البيولوجي. وهنا تحديدًا يظهر ذلك التوتر الوجودي الهائل بين “الفرد” و”النوع”، وبين “الإرادة الذاتية” و”المنطق الحيوي”، وبين “اقتصاد التمثّل” الذي يصنعه العقل البشري و”اقتصاد الطبيعة” الذي ما تزال قوانينه محفورةً داخل جسم الإنسان مهما حاول إنكارها أو إعادة تأويلها.

أضف تعليق