تهافت “جينالوجيا الأخلاق” لنيتشه… في الأصل الحقيقي للأخلاق

حين وضع الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه كتابه الشهير جينالوجيا الأخلاق عام (1887)، كان مدفوعاً برغبة راديكالية لتجريد القيم الإنسانية من أصولها الميتافيزيقية. أراد نيتشه أن يفتش عن “أصل الأخلاق” في ثنايا التاريخ البشري المادي، لينتهي إلى أطروحته الثنائية الشهيرة: أخلاق السادة القائمة على التدفق الغريزي والقوة، وأخلاق العبيد الناشئة عن “الضغينة” والالتفاف النفسي المخادع لقلب موازين القوى.
إلا أن هذا التأصيل النيتشوي، على الرغم من بريقه السايكولوجي، يظل قاصراً ومفرطاً في الاختزال؛ وذلك لأنه تعامل مع الأخلاق كـ “مؤامرة نفسية” أو عارض مرضي كبّل الإنسان، غافلاً عن أن المأزق الإنساني أعمق بكثير من ثنائية “القوي والضعيف”. إن الأخلاق في حقيقتها ليست حيلة من ابتكار الضعفاء ضد الأقوياء، بل هي طوق النجاة الحتمي البنيوي لكائن حادَ عن مساره الطبيعي. وهنا يبرز التأصيل القرآني ليفك شفرة هذا المأزق، مقدماً الأخلاق بوصفها مشروعاً تطورياً وارتقائياً يرمم الخلل الوجودي الذي أصاب الإنسان في مسيرته.
يسقط نيتشه في فخ “وهم الأصل النقي” حين يفترض أن الإنسان الأول (السيد) كان يعيش في اتساق تام مع غرائزه الكاسرة دون قلق وجودي، وأن قيم الشفقة والعدالة هي إفرازات لاحقة لثورة الضعفاء. غير أن هذا التحليل يغفل بنيوية “التيه السلوكي” البشري؛ فالإنسان ليس حيواناً تم إفساده بالثقافة، وإنما هو كائن يعاني أصلاً من فاقة معرفية وقصور سلوكي يجعل غرائزه غير كافية لتقويم مساره. لقد حاول نيتشه أن يداوي أعراض “التيه الإنساني” بإعادة الاعتبار للغريزة الحيوانية الصرفة (الحيوان الأشقر الكاسر)، غافلاً عن أن الغريزة البشرية ذاتها هي المقر الإشكالي الذي يسكنه الخلل. فالإنسان، دوناً عن سائر الكائنات، لا يستطيع الاكتفاء بغريزته البايولوجية لإدارة وجوده، ومحاولة نيتشه جعل “إرادة القوة” هي المعيار الأخلاقي الأوحد ليست سوى هروب إلى الأمام ينتهي بتأليه الحيرة وتبرير الهمجية دون تقديم إجابة حقيقية عن سبب نشوء القلق الأخلاقي في العمق الإنساني.
وعلى النقيض من هذه المادية النيتشوية الاختزالية، يؤسس النظام الأخلاقي القرآني لفهم أنثروبولوجي عميق وصادم للحالة الإنسانية. فالإنسان في الرؤية القرآنية لم يتطور في خط صاعد ومستقر كبقية الكائنات، بل تعرض إبان مسيرته التطورية والوجودية لانعطافة حادة حادت به عن المسار الطبيعي. لقد خرج الإنسان من نظام الطبيعة الصارم والمبرمج بدقة؛ ذلك النظام الكوني التلقائي المبني على الاتساق التام، ليدخل في طور “التكليف” والحرية المشوبة بالعجز. وهذا الخروج أورث الإنسان “جهالة أخلاقية” وفاقة معرفية حادة، وهي ذاتها الحيرة الوجودية التي تلمستها الملائكة مبكراً في التساؤل الاستشرافي: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (من 30 البقرة).
فهذا “التيه السلوكي” الذي شهده التاريخ البشري، من توحش وعدوانية وضياع قيم، ليس نتاج “أخلاق العبيد” كما توهم نيتشه، وإنما هو تعبير صارخ عن كائن حائر فقدَ التوجيه الغريزي الحتمي للحيوان، ولم يبلغ بعد المعرفة الكلية المطلقة، فأصبح يعيش “فاقة وجودية” حقيقية تتطلب تدخلاً تصحيحياً خارقاً لإنقاذه من “الخلاص الزائف”.
وهنا يتجلى الفارق الجوهري بين المنظورين؛ فبينما يرى نيتشه الخلاص في الانصياع التام لغرائز القوة والسيادة ونبذ الشفقة، يرى القرآن الكريم الأخلاق بوصفها “استراتيجية صرامة وتزكية ذاتية” مصممة خصيصاً لإعادة ضبط هذا الكائن المنحرف عن مساره. إن النظام الأخلاقي الذي يلتزم به من اختار اتباع هَدي القرآن تماماً ليس نظاماً وادعاً أو مستسلماً، بل هو مجاهدة واضطرار؛ حيث أنه يقوم على حمل النفس على ما تكره، وإجبارها على التخلي عما اكتسبته بعد تلك الحادثة التطورية من شح وأثرة ونزوع نحو الطغيان والتدمير. فالخلاص في القرآن محدد بالجهد الإرادي المبذول لمجاهدة هذا الطبع المكتسب ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (69 العنكبوت).
فبمقدار ما يبذله الإنسان من إتقان وإحكام في تحكمه بنفسه، وبقدر اضطرار الذات إلى الانصياع لمعايير الوحي الأخلاقية فوق البايولوجية، يتحقق للانسان ارتقاء جديد صاعد. وهذا الارتقاء ليس عودة للوراء، بل هو حلقة تطورية عليا تعوضه تماماً عما كان قد خسره إثر تلك الانعطافة الوجودية الأولى.
وفي نهاية المطاف، تلتقي جينالوجيا نيتشه بنموذج “الإنسان الأعلى” (Übermensch) الذي يضع قيم نفسه بنفسه مدفوعاً بـ “إرادة القوة”، وهو نموذج ينتهي حتماً إلى مأزق تدميري مأساوي لأن الذات البشرية الحائرة لا تملك الاكتفاء المعرفي بذاتها. وبالمقابل، يقدم القرآن الكريم نموذج “الإنسان المستخلَف” الذي يعي فاقته المعرفية ونقصه الوجودي، فيتخذ من النظام الأخلاقي الإلهي رافعة ارتقائية وتطورية. إن الأخلاق القرآنية ليست قيوداً لتكبيل الأقوياء كما زعم نيتشه، بل هي “الهندسة التصحيحية” الوحيدة الكفيلة بترميم الشرخ التطوري الإنساني، ونقل البشرية من طور الحيرة والتيه السلوكي إلى طور الخلاص الحقيقي والارتقاء الوجودي الرفيع.

أضف تعليق