
إذا كان الإنسان المعاصر ينظر إلى المعرفة بوصفها القيمة العليا التي تميّزه عن سائر الكائنات، فإن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح بعمق هو: هل كانت المعرفة البشرية دائمًا على الصورة التي نعرفها اليوم؟ وهل ما ننتجه الآن من علوم وفلسفات وأيديولوجيات وتأويلات يمثل امتدادًا طبيعيًا لوظيفة الإدراك في الكائنات الحية، أم أنه نتيجة لتحول جذري أصاب البنية المعرفية للإنسان بعد خروجه من اقتصاد الطبيعة إلى ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد التمثّل”؟
إن الكائنات الطبيعية، في إطار اقتصاد الطبيعة، لا “تعرف” العالم بالطريقة التي يعرفه بها الإنسان. فالمعرفة عندها ليست مشروعًا مستقلًا، ولا بحثًا مجردًا عن الحقيقة، بل وظيفة مباشرة مرتبطة بالبقاء. فالحيوان يدرك ما يكفيه لتجنب الخطر، والعثور على الغذاء، والتناسل، والحفاظ على موقعه داخل بيئته، والحيوان لا يسأل عن ماهية الكون، ولا عن أصل الزمن، ولا عن معنى الموت، ولا عن طبيعة الوعي. فإدراكه مقتصد ووظيفي ومحدود بما تتطلبه الحياة المباشرة. ومن هنا يمكن القول إن “اقتصاد الطبيعة” يقوم على حد أدنى من التمثّل يكفي للاستمرار دون إنتاج فائض رمزي أو تأويلي يتجاوز الحاجة البايولوجية. أما الإنسان، فقد شهد، وفق المقاربة الميتابايولوجية، تحولًا عميقًا يمكن النظر إليه بوصفه “التحويلة التطورية الأولى”، تلك اللحظة التي خرج فيها من هذا الاقتصاد الطبيعي المباشر إلى اقتصاد جديد قائم على فائض التمثّل. ومنذ تلك اللحظة لم تعد المعرفة مجرد أداة للبقاء، بل تحولت إلى عالم مستقل بذاته، تتعدد داخله الرموز والمعاني والتفسيرات إلى ما لا نهاية.
لقد أصبح الإنسان كائنًا لا يكتفي بمعرفة الشيء، بل يريد أن يعرف معنى الشيء، ومعنى معناه، وموقعه داخل صورة كلية للوجود. وهكذا لم تعد المعرفة وظيفة حيوية فحسب، بل أصبحت أزمة وجودية أيضًا.
إن الفرق الجوهري بين اقتصاد الطبيعة واقتصاد التمثّل لا يكمن فقط في كمية المعرفة، بل في طبيعتها ذاتها. ففي اقتصاد الطبيعة تكون المعرفة مقتصدة ومرتبطة بالفعل المباشر، أما في اقتصاد التمثّل فإنها تنفصل تدريجيًا عن ضرورات البقاء، وتتحول إلى إنتاج مفتوح للتأويل والسرد والميتافيزيقا.
ولعل هذا ما يفسر الانفجار الهائل في البنى الرمزية لدى الإنسان: اللغة، والأسطورة، والفلسفة، والأيديولوجيا، والعلم، والفن، وكلها ليست مجرد أدوات عملية، بل تجليات لفائض تمثّلي جعل الإنسان يعيش داخل عالم من المعاني أكثر مما يعيش داخل العالم الطبيعي ذاته.
إن الإنسان لا يستهلك الواقع كما هو، بل يعيد إنتاجه رمزيًا بصورة مستمرة. ولذلك لم يعد يعيش داخل الطبيعة مباشرة، بل داخل “صورة” عن الطبيعة، وداخل شبكة من التأويلات التي تتراكم فوق الواقع حتى تكاد تحجبه أحيانًا. ومن هنا نفهم لماذا تحولت المعرفة البشرية إلى مجال متضخم بصورة غير مسبوقة. فالإنسان لا يكتفي بالوقائع، بل يضيف إليها طبقات لا نهائية من الشرح والتفسير والتأويل والتأويل المضاد. وحتى أبسط الظواهر تتحول داخل العقل البشري إلى موضوع للفلسفة والصراع والهوية والميتافيزيقا.
إن النار، بالنسبة للحيوان، مجرد خطر أو مصدر دفء. أما بالنسبة للإنسان فقد أصبحت رمزًا للحضارة، والعقاب، والتطهير، والإلهام، والثورة، والجحيم، والتقدم، والمعرفة. وهذا المثال البسيط يكشف كيف يفيض التمثّل الإنساني على الأشياء حتى يبتعد بها عن حضورها الطبيعي المباشر.
ولعل أخطر نتائج هذا التحول أن المعرفة فقدت اقتصادها الطبيعي. فبدل أن تبقى أداة لتنظيم العلاقة بالعالم، أصبحت عبئًا نفسيًا ووجوديًا يثقل الإنسان بالأسئلة والاحتمالات والقلق. فالحيوان لا يعاني من فائض المستقبل، ولا من الرعب الفلسفي من الموت، ولا من أزمة المعنى، لأنه لم يغادر اقتصاد الطبيعة إلى ذلك المجال التمثّلي المفتوح الذي يعيش فيه الإنسان.
إن الإنسان، بهذا المعنى، لم يصبح “أكثر معرفة” فقط، بل أصبح أيضًا أكثر اغترابًا عن الواقع المباشر. فهو لا يرى الأشياء كما هي، بل كما تمثلها له لغته وثقافته وسردياته ومخاوفه وأحلامه. ولذلك فإن المعرفة البشرية لا تعمل دائمًا على تقريب الإنسان من العالم، بل قد تعمل أحيانًا على إبعاده عنه عبر طبقات لا تنتهي من التفسير.
وهنا يظهر العلم نفسه بوصفه جزءًا من هذا الاقتصاد التمثّلي، رغم طابعه الصارم. فالعلم يبدأ بوصف الظواهر، لكنه سرعان ما يتحول، داخل العقل البشري، إلى رؤى كونية وفلسفات وهوويات وصراعات حضارية. لأن الإنسان لا يستطيع إبقاء المعرفة في حدودها الوظيفية البسيطة، بل يحمّلها دائمًا أكثر مما تحتمل.
ومن هنا يمكن فهم الانقسام المستمر بين البشر رغم اشتراكهم في الوقائع الأساسية. فالمشكلة لا تكمن فقط في اختلاف المعلومات، بل في اختلاف أنماط التمثّل التي تعيد تشكيل هذه المعلومات داخل كل عقل وحضارة.
إن اقتصاد التمثّل لا ينتج المعرفة فقط، بل ينتج أيضًا التضخم المعرفي؛ ذلك التراكم الهائل من التأويلات الذي يجعل الإنسان يعيش داخل عالم من المعاني المتصارعة بدل أن يعيش داخل الواقع مباشرة.
ولعل هذا ما يفسر لماذا أصبحت الإنسانية المعاصرة غارقة في كم غير مسبوق من المعلومات، لكنها في الوقت نفسه أكثر قلقًا وضياعًا وانقسامًا. فالمشكلة لم تعد نقص المعرفة، بل فائضها التمثّلي؛ أي استحالة إبقاء المعرفة ضمن حدودها الوظيفية دون أن تتحول إلى عبء وجودي ورمزي.
إن الإنسان، منذ التحويلة التطورية الأولى، لم يعد كائنًا يكتفي بأن يعرف كي يعيش، بل أصبح كائنًا يعيش داخل ما يعرفه، وداخل ما يتخيله حول ما يعرفه. ولذلك فإن المعرفة البشرية ليست مجرد كشف للعالم، بل إعادة بناء مستمرة للعالم داخل مجال التمثّل.
وهكذا، فإن الانتقال من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل لم يكن مجرد قفزة معرفية، بل تحولًا جذريًا في طبيعة الوعي ذاته؛ تحولًا جعل الإنسان الكائن الوحيد الذي لا يعيش في العالم فقط… بل يعيش أيضًا داخل التأويل اللامتناهي للعالم.
