
من أكثر النزعات رسوخًا في العقل البشري المعاصر تلك النزعة التي تدفع الإنسان إلى إعادة تفسير الطبيعة وفق منطقه هو، لا وفق الكيفية التي اختارت الطبيعة ذاتها أن تُعبّر بها عن قوانينها وآلياتها. فالإنسان، منذ خروجه من اقتصاد الطبيعة البسيط إلى عالم فائض التمثّل، لم يعد يكتفي بملاحظة الوقائع كما هي، بل صار يشعر بحاجة دائمة إلى إخضاعها لمنطقه الذاتي، حتى وإن تعارض هذا المنطق مع البنية الفعلية التي تعمل بها “سُنّة” النشوء والتطور والارتقاء البايولوجي.
ومن هنا نشأ ذلك الميل العميق إلى مقاومة كل ما لا ينسجم مع التصورات الذهنية المسبقة التي كوّنها الإنسان عن “الكمال” أو “العدالة” أو “التماثل” أو “الوظيفة”. فالإنسان لا يريد للطبيعة أن تعمل وفق اقتصادها الخاص، بل يريد منها أن تُدار كما لو كانت خاضعة لرغباته النفسية وتصوراته الأخلاقية والرمزية. ولذلك فالإنسان كثيرًا ما يحاول أن يفرض منطقه الفوضوي على الطبيعة وعلى نفسه وعلى الآخرين، فيقاوم كل تعبير طبيعي لا ينسجم مع ما يتوهمه من صورة “منطقية” أو “مثالية” للوجود.
ولعلّ واحدًا من أكثر الأمثلة وضوحًا على هذه المفارقة يتمثل في موضوع الأعضاء الأثرية داخل جسم الإنسان، وبخاصة ثدي الرجل. فهذه الظاهرة البايولوجية تكشف بصورة دقيقة كيف تعمل الطبيعة وفق اقتصاد صارم بالغ الكفاءة، وليس وفق الرغبة البشرية في التناظر الكامل أو التبرير الرمزي أو الوظيفي لكل تفصيل من تفاصيل الجسد.
فالطبيعة، حين شهدت نشوء وارتقاء الكائن البشري وتطوره البايولوجي فإنها لم تبنِ الذكر والأنثى من نقطتي انطلاق منفصلتين بالكامل، بل اعتمدت أصلًا جنينيًا محايدًا مشتركًا بين الجنسين، ثم شرعت لاحقًا في توجيه مسارات التطور البايولوجي بحسب الوظيفة المطلوبة من كل جنس داخل اقتصاد النوع. ومن هنا فإن الثدي في مراحله الجنينية الأولى لا يكون “ثديًا أنثويًا” ولا “ثديًا ذكريًا”، بل يمثل بنية أولية محايدة قابلة لأن تسلك أحد مسارين مختلفين تبعًا للإشارات الهرمونية والتنظيمية التي تصدر أثناء التطور الجنيني.
وحين اقتضت مصلحة النوع أن تُمنح الأنثى القدرة على رعاية المولود الجديد عبر الإرضاع وما يرافقه من ارتباط عاطفي وسلوكي، جرى “تفعيل” هذه البنية الأولية وتطويرها لتصبح ثديًا أنثويًا كاملاً. أما في الذكر، فلم تصدر الإشارة التطورية ذاتها، فتوقف التطور عند الحد الأدنى الضروري، وبقي الثدي في صورته الأثرية بوصفه بقايا لبنية جنينية مشتركة لم تعد هناك حاجة وظيفية لاستكمال نموها.
وهنا تظهر عبقرية اقتصاد الطبيعة. فالطبيعة لا تعمل وفق منطق “الإزالة الكاملة لكل ما لا وظيفة مباشرة له”، كما يتخيل الإنسان، بل وفق مبدأ أكثر كفاءة يتمثل في تقليل الصرف الطاقي والإنشائي إلى أدنى حد ممكن. فإذا كان وجود بنية أثرية لا يسبب ضررًا تطوريًا كبيرًا، فإن التخلص الكامل منها قد يكون أكثر كلفة وتعقيدًا من الإبقاء عليها في حالة خاملة أو شبه خاملة.
ومن هنا فإن ثدي الرجل لا يمثل “خطأً” في التصميم كما قد يتوهم البعض، ولا “لغزًا” يحتاج إلى تبريرات رمزية أو فلسفية، بل هو يمثل نتيجة طبيعية للغاية لطريقة عمل التطور نفسه، وللاقتصاد الصارم الذي يحكم البنية البايولوجية للكائنات الحية. فالطبيعة لا تُبدد مواردها من أجل إرضاء الحس البشري بالتناظر أو الاتساق الشكلي، بل تعمل بمنطق براغماتي شديد القسوة والدقة، غايته الوصول إلى أعلى كفاءة ممكنة بأقل تكلفة ممكنة.
غير أن الإنسان، بسبب اعتياده على فائض التمثّل، يجد صعوبة في تقبّل هذه الحقيقة البسيطة. فهو يريد أن يكون لكل شيء “معنى مقصود” وفق منطقه هو، وأن تخضع الطبيعة لمعاييره الذهنية، لا أن يخضع هو لمنطق الطبيعة ذاته. ولذلك نراه كثيرًا ما يعترض على الكيفية التي تعمل بها البايولوجيا، وكأنه يتوقع من الطبيعة أن تُعيد هندسة نفسها بما ينسجم مع رغباته التصورية لا مع اقتصادها الداخلي.
وهنا تتجلى واحدة من أعظم المفارقات في علاقة الإنسان بالطبيعة: فالإنسان الذي يزعم أنه يدرس الطبيعة بعين علمية محايدة، كثيرًا ما يُصرّ في العمق على محاكمتها وفق منطقه النفسي والرمزي الخاص. فهو لا يكتفي بالملاحظة، بل يسعى باستمرار إلى فرض تصوره الذاتي على الوقائع، حتى وإن كانت الوقائع نفسها تُظهر أن الطبيعة تعمل وفق نظام مختلف تمامًا عن النظام الذي يتخيله الإنسان لنفسه.
ولعلّ هذا ما يكشف، مرة أخرى، أن المشكلة الكبرى التي تواجه الإنسان ليست دائمًا نقص المعرفة، بل عجزه عن التخلّي عن مركزية ذاته، وعن رغبته الدائمة في جعل الكون انعكاسًا لمنطقه هو، لا كما هو في ذاته.
