
ن أكثر الأحلام التي راود الإنسان الحديث تفاؤلًا ذلك الاعتقاد بأن العلم، بما يمتلكه من موضوعية ومنهج صارم، سوف ينجح في توحيد البشرية حول تفسير واحد للحقيقة. فالمعادلات الرياضية لا تنتمي إلى أمة، والقوانين الفيزيائية لا تخضع لقومية بعينها ولا تخص معتقداً بعينه، والتجربة العلمية قابلة، نظريًا، للتكرار والتحقق في أي مكان من العالم. ومن هنا بدا وكأن الإنسانية قد وجدت أخيرًا لغة عالمية تتجاوز الانقسامات الحضارية والأسطورية التي مزقتها عبر التاريخ.
غير أن الواقع المعاصر يكشف مفارقة شديدة العمق. فكلما ازدادت المعرفة العلمية دقة وانتشارًا، ازداد البشر انقسامًا في فهم معنى هذه المعرفة، بل وفي طريقة استقبال الوقائع نفسها. وكأن الإنسان لا يعيش داخل “حقيقة علمية” موحدة، بل داخل عوالم إدراكية متوازية تعيد تشكيل العلم وفق البنية الحضارية والنفسية والرمزية لكل مجتمع.
وهنا تظهر الأزمة الحقيقية لما يمكن تسميته بـ “ما بعد الحقيقة العلمية”. فالمشكلة لم تعد في غياب المعلومات أو نقص الوقائع، بل في أن الإدراك الحضاري أصبح، في كثير من الأحيان، أقوى من المعادلة ذاتها.
إن الإنسان لا يتعامل مع الحقيقة العلمية بوصفها حقيقة مجردة فحسب، بل بوصفها شيئًا يدخل مباشرة في صراعه حول الهوية والمعنى والسلطة والمستقبل. ولذلك فإن الوقائع نفسها تُقرأ بطرق متناقضة تبعًا للبنية التمثّلية التي تستقبلها.
فالنظرية العلمية الواحدة قد تُرى، في سياق حضاري معين، بوصفها انتصارًا للعقل والتحرر، بينما تُرى في سياق آخر بوصفها تهديدًا للهوية أو للقيم أو للصورة التقليدية للإنسان والعالم. والمعادلة نفسها قد تتحول إلى دليل على المادية عند طرف، وإلى إثبات للروحانية عند طرف آخر، وإلى أداة سياسية أو اقتصادية أو أيديولوجية عند طرف ثالث.
إن الإنسان، منذ خروجه من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل، لم يعد قادرًا على استقبال المعرفة بمعزل عن شبكته الرمزية العميقة. فهو لا يرى الوقائع فقط، بل يرى أيضًا ما تعنيه هذه الوقائع بالنسبة لذاته الحضارية. ولهذا فإن المعادلات، مهما بلغت من الصرامة، لا تستطيع وحدها توحيد البشر، لأن الانقسام الحقيقي لا يقع دائمًا على مستوى “المعلومة”، بل على مستوى “الإدراك”. ولعل هذا ما يفسر لماذا فشلت البشرية، رغم التقدم العلمي غير المسبوق، في الوصول إلى إجماع وجودي أو أخلاقي أو حضاري. فالعلم قد يوحد طرق الحساب، لكنه لا يوحد أنماط الوعي. والإنسان لا يعيش داخل الوقائع وحدها، بل داخل القصص التي يرويها عن الوقائع. فالعقل البشري لا يواجه العالم كصفحة بيضاء، بل من داخل تاريخ طويل من اللغة والدين والثقافة والذاكرة الجماعية والخوف والهوية. ولذلك فإن الحقيقة العلمية، ما إن تدخل المجال الإنساني، حتى تبدأ بالتشكل من جديد داخل هذا الاقتصاد التمثّلي المعقد. ومن هنا يمكن فهم كيف تتحول بعض القضايا العلمية إلى حروب ثقافية شاملة تتجاوز العلم نفسه بكثير. فالصراع لا يكون دائمًا حول البيانات، بل حول ما ترمز إليه هذه البيانات بالنسبة لصورة الإنسان عن ذاته وعن العالم.
إن الإنسان لا يريد فقط أن يعرف، بل أن يشعر أن ما يعرفه ينسجم مع قصته الكبرى عن الوجود. ولذلك فإن الوقائع التي تهدد هذه القصة تُقابَل غالبًا بالمقاومة أو التأويل أو إعادة الصياغة. وهنا تحديدًا يصبح الإدراك الحضاري أقوى من الحقيقة العلمية ذاتها. فالمشكلة ليست أن الوقائع غير موجودة، بل أن العقل البشري لا يستطيع رؤيتها خارج إطاره التمثّلي الخاص. ولعل أخطر ما في الأمر أن العصر الرقمي ضاعف هذه الظاهرة بصورة غير مسبوقة. فوسائل الإعلام الحديثة، والخوارزميات، والفضاءات الرقمية، لم تعد تنقل المعلومات فحسب، بل أصبحت تنتج “عوالم إدراكية” كاملة يعيش داخلها الناس. وهكذا لم يعد البشر يختلفون فقط في آرائهم، بل أصبحوا يعيشون داخل نسخ مختلفة من الواقع نفسه.
إن الإنسان لا يختار دائمًا ما هو صحيح، بل ما يمنحه الإحساس بالاتساق النفسي والانتماء والهوية. ولهذا فإن الحقيقة، حين تصطدم بالبنية العميقة للتمثّل الحضاري، تجد نفسها غالبًا عاجزة عن فرض سلطتها وحدها. ومن هنا تتجلى إحدى أعظم مفارقات الحداثة العلمية: فالعصر الذي ظن أنه سيقضي على الانقسامات عبر نشر المعرفة، اكتشف أن المعرفة نفسها يمكن أن تتحول إلى مادة خام لإنتاج انقسامات جديدة أكثر تعقيدًا.
إن فائض التمثّل لا يشوه فهم الإنسان للعالم فحسب، بل يعيد تشكيل الواقع الإدراكي ذاته. ولذلك فإن الإنسان لا يعيش داخل “الحقيقة العلمية” مباشرة، بل داخل النسخة الحضارية التي يعيد بها تأويل هذه الحقيقة.
ولعل السؤال الأكثر إزعاجًا اليوم ليس: “ما الحقيقة؟”، بل: “هل ما يزال البشر أصلًا قادرين على الاتفاق على ما تعنيه الحقيقة؟” فالمعادلات قد تبقى واحدة، لكن العقول التي تستقبلها ليست واحدة. والوقائع قد تكون مشتركة، لكن أنظمة الإدراك التي تعيد تفسيرها متباينة إلى حد يجعل البشر يعيشون أحيانًا داخل أكوان رمزية مختلفة رغم أنهم يسكنون العالم الفيزيائي ذاته.
وهكذا، فإن ما بعد الحقيقة العلمية لا يعني نهاية الوقائع، بل يعني شيئًا أكثر خطورة: أن الإنسان، بوصفه كائنًا مفرط التمثّل، قد أصبح قادرًا على إعادة تشكيل معنى الوقائع نفسها بما يخدم حاجاته النفسية والحضارية. ومن هنا، فإن الأزمة الكبرى للإنسان المعاصر هي ليست نقص العلم، بل استحالة أن يبقى العلم علمًا خالصًا بعد أن يدخل إلى العالم البشري؛ ذلك العالم الذي لا يرى الأشياء كما هي، بل كما تسمح له بنيته التمثّلية أن يراها.
