قراءةٌ ما بعد-وجودية لرواية “ترقب القادم” لـ لوسيل نوفا

يبقى الأدب، في أسمى تجلياته، المرآة الأكثر إخلاصاً لتلك المنطقة الرمادية الفاصلة بين قوة الإنسان المظهرية وضعفه الدفين. وفي روايتها الأولى الفذة “Voir venir” (ترقب القادم)، تقتحم الكاتبة الفرنسية لوسيل نوفا (Lucile Novat) هذا المعترك الإنساني الشائك بشجاعة أدبية نادرة. لا تقدم نوفا نصاً يكتفي برصد الوجع، بل تضع يدها على “الهشاشة الإنسانية” بوصفها شرطاً وجودياً حتمياً، لتنسج من خلالها مانيفستو (بياناً) روائياً يمهد للقارئ سبل فهم أعمق لكيفية تشكّل الصدمة، وآليات الترميم الذاتي للنجاة من تبعاتها.
فالمعالجة السردية عند لوسيل نوفا تبدأ من نقطة شديدة الحساسية؛ إذ انها لا تتعامل مع الهشاشة باعتبارها عيباً في الشخصية أو سقطة نفسية عابرة، بل تعيد تعريفها كحالة أصيلة يعيشها الكائن البشري بمجرد أن يرفع الستار الوهمي لليقين والأمان. وكأنها تحاول إقناعنا بأن “الهشاشة ليست نقيض القوة، بل هي التعبير الأصدق عن عمقها غير المكتشف”.
ففي روايتها الأولى هذه، تدفع الكاتبة بشخصياتها إلى حافة التفكك حيث تفقد السيطرة على مصائرها. وهذه المواجهة لا تأتي صاخبة، بل تتسلل عبر التفاصيل اليومية الصغيرة مثل: الفقد، والتحولات غير المرئية في العلاقات. التميز هنا يكمن في أن نوفا لا تطلب من القارئ الشفقة على أبطالها، بل تدعوه للتماهي معهم، لتذوق ذلك الإحساس الخانق بأن نسيج الحياة الإنسانية، مهما بدا متيناً، يمكن أن يتمزق عند أول منعطف غير متوقع.
كما ويتجلى ذكاء المؤلفة في اختيارها لعنوان روايتها الاولى “ترقب القادم” ، والذي يحمل وعيداً مبطناً بالانتظار والترقب، في رصد الكاتبة المتميز لـ “تبعات” الهشاشة. إن الإنسان الهش في عالم نوفا لا يعاني فقط من أثر الضربات السابقة، بل يعيش أزمة أكبر تتمثل في “الخوف من الضربة القادمة”؛ حيث تتسلل قناعة صامتة عبر السرد مفادها “أننا لا ننتظر القادم لنمنعه، بل لنستعد لاستقباله من دون أن يقوم بتحطيمنا”. كما وتُشَرِّح المؤلفة سيكولوجية الانتظار بكفاءة عالية؛ فتُبين كيف يتحول الترقب من آلية دفاعية لحماية الذات إلى عزلة اختيارية. فالشخصيات تصبح أسيرة التوجس؛ حيث يؤدي تتابع القلق إلى حالة من “الانكفاء على الذات”. تنجح نوفا هنا في كشف المفارقة الشائكة والتي مفادها: كيف يمكن للإنسان، في محاولته لتفادي التعرض لمزيد من تداعيات الهشاشة والألم، أن يبني جدراناً من العزلة تقطع صلته بفرص الحياة والتعافي نفسه.
وإذا كان النصف الأول من الرواية يغوص في تشريح الضعف، فإن نصفها الآخر يمثل ورشة عمل وجودية في “الترميم والنهوض”. فالكاتبة لا تسقط في فخ العدمية، ولا تقدم لنا لمحات من الأمل الزائف أو الحلول السحرية، بل تجعل الخلاص عملية بناء بطيئة وشاقة، متبنية فكرة أن “الخلاص يبدأ حين نكف عن التظاهر بالصلابة، ونبدأ في ترميم تصدعاتنا علانية”؛ حيث تستخدم الكاتبة لغة شديدة الدقة، رصينة وعارية من المحسنات الإنشائية الزائدة. وهذا الأسلوب بحد ذاته هو أولى أدوات الخلاص؛ فنوفا تؤمن أن ترتيب الفوضى الداخلية يبدأ من امتلاك الوعي والشجاعة لتسمية الألم ووصف الهشاشة بلا خجل. وهنا يجدر بنا أن لا يفوتنا أن نلمح ما شددت عليه المؤلفة من أن الخلاص في الرواية لا يعني زوال الخوف، بل يعني تغيير طبيعة التعامل معه. فالقارئ مدعو لأن يتعلم عبر مسارات الأبطال كيف يتحول المعنى السلبي لـ “رؤية ما هو قادم” (الاستسلام والذعر) إلى معنى إيجابي يعكس القبول الواعي بالواقع والقدرة على مجابهة المجهول. ففي مناخ يسوده الوجع، تبرز لوسيل نوفا ضرورة “الالتفاتات الإنسانية الصغيرة”. فهي تؤكد عبر سياقها القصصي أن الخلاص ليس رحلة فردية بالكامل، بل إن التشارك في الهشاشة والاعتراف المتبادل بالضعف بين البشر هو الجسر الحقيقي العابر فوق مستنقع الصدمات.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن رواية “Voir venir” لـ لوسيل نوفا هي أكثر من مجرد قصة تُحكى؛ إذ انها معالجة أدبية وفلسفية رصينة لواحدة من أكثر معضلاتنا الإنسانية تعقيداً. ومن خلال تفكيكها البارع لجدلية (الهشاشة/الخلاص)، تمنح الكاتبة قارئها خريطة طريق نفسية.
لقد نجحت نوفا، في خطوتها الروائية الأولى، في أن تثبت بأن الاعتراف بالضعف الإنساني ليس نهاية المطاف، بل هو العتبة الأولى والأساسية نحو نيل الخلاص واستعادة التوازن وسط عالم دائم التقلب ومترع بالغياب.
وبذلك يضاف صوت لوسيل نوفا، وفي روايتها الأولى المتميزة هذه الى أصوات عديدة تذكرنا بما سبق وأن نبأنا به القرآن العظيم من ان هشاشة الانسان قدر محتوم لا مفر له من الإقرار به: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} (28 النساء).

أضف تعليق