الكراهية بوصفها تمرّدًا على اقتصاد الطبيعة… كيف صنع فائض التمثّل إنسانًا يستهلك نفسه ضدّ ذاته؟

من أكثر الظواهر البشرية إثارةً للتأمل ذلك الحضور الكثيف للكراهية داخل عالَم الإنسان، حتى ليبدو الإنسان وكأنه الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يستهلك جزءًا هائلًا من طاقته النفسية والعقلية والعاطفية في مشاعر لا تحقق له منفعةً بايولوجية مباشرة، بل قد تتحول إلى فعل تدميرٍ للذات قبل أن تكون تدميرًا للآخر. فالكراهية، بما تتضمنه من حقدٍ وغيظٍ ومقتٍ وعداءٍ مستمر، ليست مجرد انفعال عابر، بل هي حالة استنزاف طويلة الأمد، تستدعي تشغيلًا دائمًا للذاكرة والانفعال والتخيّل والتوقّع وإعادة استحضار الإساءة والخصومة، وهو أمر يكاد يتعارض بصورة جذرية مع “اقتصاد الطبيعة” القائم على ترشيد الطاقة وضبط الإنفاق الحيوي ومنع الهدر والتبذير.
ففي العالم البايولوجي الطبيعي لا وجود للكراهية بالمعنى الإنساني المعروف؛ فالحيوان قد يهاجم، ويفترس، ويدافع عن مجاله الحيوي، ويتنافس على التزاوج أو الموارد، لكنه لا “يكره” بالكيفية التي يكره بها الإنسان. فالذئب الذي يقاتل ذئبًا آخر لا يحمل ضده مشروعًا نفسيًا طويل الأمد، ولا يقضي لياليه مستغرقًا في استحضار خصومته معه، ولا يبني هويته على أساس الحقد عليه، ولا يشعر بلذةٍ خفية وهو يتخيل سقوطه أو إذلاله. وما إن ينتهي الصراع حتى يعود الحيوان سريعًا إلى حالة “الاتزان الوظيفي” التي تفرضها عليه سُنّة الطبيعة. فاقتصاد الطبيعة لا يسمح باستنزاف الطاقة في انفعالات غير نافعة، لأن الطاقة في العالم الحيوي موردٌ ثمين يُصرف بدقة لصالح البقاء والتناسل والحفاظ على الكفاءة الوظيفية للكائن.
أما الإنسان، وبعد الانعطافة التطورية الأولى وخروجه من “اقتصاد الطبيعة” إلى “اقتصاد التمثّل”، فقد أصبح يعيش داخل “عالم آخر” لم يعد فيه الإدراك موجّهًا حصريًا نحو الوقائع المباشرة، بل نحو الصور الذهنية والتأويلات والرموز والتوقعات والذكريات والإهانات المتخيَّلة والمقارنات والاعتبارات المعنوية. ومن هنا لم تعد الخصومة عند الإنسان مرتبطةً فقط بتهديدٍ مباشر للبقاء، بل تحولت إلى فعالية تمثّلية معقدة يمكن أن تُستثار بسبب فكرة، أو رأي، أو اختلاف ديني، أو انتماء قومي، أو نجاح شخص آخر، أو حتى بسبب شعور متخيَّل بالإهانة أو التهميش.
وهنا تحديدًا ولدت الكراهية بوصفها ظاهرةً ميتابايولوجية لا تنتمي إلى الاقتصاد الحيوي الأصلي للطبيعة. فالإنسان لا يكتفي بردّ الفعل اللحظي، بل يُعيد إنتاج خصومته داخليًا آلاف المرات عبر التمثّل؛ حيث أنه يُعيد استذكار الإساءة، ويضخمها، ويعيد تفسيرها، ويتخيل الانتقام، ويخلق سيناريوهات ذهنية لا تنتهي، حتى تتحول الكراهية إلى نوع من “الاحتراق الداخلي المستمر”. ومن هنا تصبح الكراهية استنزافًا دائمًا للطاقة العصبية والنفسية والهرمونية، وهو استنزاف لا يمكن تفسيره وفقاً للمنطق الصارم لاقتصاد الطبيعة.
ولعلّ ما يكشف الطابع غير الطبيعي للكراهية الإنسانية أن الإنسان قد يكره شخصًا لم يره قط، أو جماعةً لم تحتك به مباشرة، أو فكرةً لا تؤثر فعليًا على بقائه، بل إن الكراهية قد تُورَّث ثقافيًا ورمزيًا عبر الأجيال حتى تصبح الجماعات أسيرة أحقاد تاريخية عمرها مئات السنين. وهذا وحده يكشف مقدار انفصال الإنسان عن البنية الوظيفية البسيطة التي تحكم عالم الحيوان. فالحيوان لا يحمل ذاكرةً أيديولوجية، ولا يعيش داخل أرشيفٍ هائل من الإهانات والرموز والهويات والصراعات التأويلية، بينما أصبح الإنسان كائنًا يستهلك ذاته عبر إعادة تدوير العداء بصورة لا نهائية.
ومن هنا يمكن القول إن الكراهية ليست مجرد “شعور سلبي”، بل واحدة من أخطر نتائج فائض التمثّل الذي أطلقته الانعطافة التطورية الأولى. فحين خرج الإنسان من الاقتصاد الطبيعي القائم على الوظيفة المباشرة، أصبح قادرًا على إنتاج عوالم كاملة من العداء الرمزي الذي لا نهاية له. ولذلك فإن أكثر الحروب دموية في التاريخ لم تكن حروب جوعٍ أو بقاءٍ محض، بل حروب أفكارٍ وعقائد وهويات وتمثّلات، أي حروبًا غذّاها فائض المعنى أكثر مما غذّتها الضرورات الحيوية المباشرة.
وهكذا يظهر الإنسان بوصفه الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بأن يتألم من الخطر الواقعي، بل يستطيع أن يعيش عمره كله داخل سجونٍ من الكراهية المتخيلة والمُعاد إنتاجها باستمرار. وهذه القدرة نفسها هي ما يكشف عمق الانفصال الذي أحدثته الانعطافة التطورية الأولى بين الإنسان وبين اقتصاد الطبيعة؛ ذلك الاقتصاد الذي لا يعرف الحقد، ولا يسمح بإهدار الطاقة في عداواتٍ لا تخدم البقاء، بل يفرض على الكائنات أن تعود دومًا إلى التوازن الوظيفي بأقل قدر ممكن من الاستنزاف.

أضف تعليق