اللغز التطوري الذي يأبى العلماء ان يُقروا بوجوده

لعل من أكثر الأسئلة إرباكًا وإثارةً للتأمل في تاريخ الفكر الإنساني ذلك السؤال المتعلّق بحقيقة القطيعة الهائلة بين الإنسان والحيوان، ليس من جهة البنية الجسدية وحدها، بل من جهة هذا الانفجار غير المسبوق في “فائض التمثّل” الذي جعل الإنسان كائنًا يعيش داخل طبقات متراكبة من الرموز والتأويلات والهواجس والأوهام والأحلام والتوقعات والصراعات النفسية والميتافيزيقية التي لا وجود لها في أي عالمٍ بايولوجي آخر. فالحيوان، مهما بلغ تعقيده السلوكي، يبقى محكومًا بمنطق “اقتصاد الطبيعة”، أي ذلك الاقتصاد الصارم الذي لا يسمح بصرف الطاقة إلا في الحدود التي تخدم البقاء والتكاثر والحفاظ على النوع. أما الإنسان فقد بدا، منذ لحظةٍ ما غامضة في تاريخه السحيق، وكأنه خرج خروجًا جذريًا من هذا الاقتصاد، ليدخل في عالم آخر يقوم على الهدر التمثّلي، والتضخم الرمزي، والتشظي النفسي، والانشغال اللامحدود بما لا ضرورة بايولوجية له.
ومن هنا فإنّ أي تأمل جاد في أحوال الإنسان لا بد أن يقود إلى استنتاج منطقي شديد الخطورة مفاده هو أنّ افتراض وجود تسلسل تطوري سلس ومتواصل وخالٍ من الانقطاع بين الحيوان والإنسان لم يعد كافيًا لتفسير هذه الهوة الوجودية الهائلة التي تفصل بين العالمين. فالمشكلة لم تعد مشكلة زيادةٍ بسيطة في الذكاء أو تطور تدريجي في اللغة أو تعقيدٍ اجتماعي أكبر بقليل، بل نحن أمام انبثاق نمط وجودي جديد بالكامل، نمطٍ لا يمكن ردّه بسهولة إلى ذات المنطق الذي يحكم الاقتصاد البايولوجي في بقية الكائنات.
فالإنسان لا يختلف عن الحيوان في مقدار الإدراك فحسب، بل في طبيعة الإدراك ذاتها. فالإنسان هو ذلك الكائن الذي يستطيع أن يحيا داخل المستقبل قبل أن يأتي، وأن يعاني من أحداث لم تقع بعد، وأن يستهلك نفسه في الحقد والغيرة والقلق والعار والطموح العقائدي والهويات الرمزية والصراعات التأويلية، وأن يشن الحروب باسم أفكار وتمثلات لا وجود مادّياً لها. وهو الكائن الذي يستطيع أن يكره لسنوات، وأن يضحي بحياته من أجل راية أو عقيدة أو فكرة متخيَّلة، وأن يدخل في دوامات من الاكتئاب والعدمية والانتحار والاغتراب الوجودي، وهي ظواهر لا يمكن تفسيرها بسهولة ضمن منطق الطبيعة الذي يقوم على ترشيد الطاقة ومنع الهدر والمحافظة على الكفاءة الحيوية.
ولعلّ أخطر ما في هذه الظاهرة أن فائض التمثّل عند الإنسان لم ينتج مجرد آثار جانبية محدودة، بل أنتج عالمًا كاملًا من التداعيات التي تبدو، من منظور الاقتصاد البايولوجي، وكأنها تمرّد شامل على منطق الطبيعة ذاته. فالحيوان لا يحتاج إلى فلسفات ليبرر وجوده، ولا إلى أديان ليمنح حياته معنى، ولا إلى أيديولوجيات يخوض من أجلها مذابح جماعية، ولا إلى أنظمة رمزية معقدة تحكم كل تفصيل من تفاصيل حياته النفسية والاجتماعية. أما الإنسان فقد أصبح كائنًا غارقًا في التمثّلات إلى حد بات معه الواقع نفسه عاجزًا عن منافسة ما يصنعه العقل من صور وتأويلات وأوهام وتوقعات.
ومن هنا يظهر المأزق الحقيقي للنظرية التي تفترض استمرارًا تطوريًا سلسًا دون أي انقطاع نوعي. إذ كيف يمكن لمنطق الانتخاب الطبيعي، القائم على الاقتصاد الصارم في الإنفاق الحيوي، أن يسمح بظهور كائن يستهلك هذا الكم الهائل من الطاقة في أنشطة وتمثّلات لا تحقق منفعة بايولوجية مباشرة، بل كثيرًا ما تتحول إلى آليات تدمير للذات وللنوع معًا؟ وكيف يمكن للطبيعة، التي قامت عبر ملايين السنين على التخلص من أي عبء غير ضروري، أن تسمح بظهور هذا الفيض غير المحدود من القلق الوجودي، والألم النفسي، والرمزية المتضخمة، والتأويلات المتصارعة، والأنظمة العقائدية التي دفعت الإنسان مرارًا إلى ارتكاب أفعال تتناقض حتى مع مصلحته الحيوية المباشرة؟
إنّ الإصرار على تفسير هذه القطيعة الهائلة بوصفها مجرد امتدادٍ تدريجي لما هو موجود عند الحيوان، لم يعد يبدو محافظةً على العلمية بقدر ما أصبح محاولةً لتفادي مواجهة السؤال الحقيقي. ذلك أن المنهج العلمي الصارم لا يقتضي الدفاع المسبق عن تصور معين، بل يقتضي الاعتراف بالمشكلة حين تظهر، والإقرار بأن المعطيات القائمة قد تشير إلى وجود انقطاعٍ أو تحوّل جذري لا تزال أسبابه مجهولة.
ومن هنا فإن أكثر الاستنتاجات اتساقًا مع المنطق ليست إنكار القطيعة، بل الاعتراف بها بوصفها حقيقة تستوجب التفسير. فالعلم، إذا أراد أن يبقى وفيًّا لمنهجه، لا يملك إلا أن يقرّ بأن شيئًا استثنائيًا قد حدث في ماضي الإنسان البعيد، شيءٌ أدى إلى خروج هذا الكائن من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل، ومن الاندماج الحيوي البسيط إلى التمزق الرمزي اللامحدود. وقد لا نملك اليوم تصورًا حاسمًا لطبيعة هذا الحدث أو علته، لكن غياب التفسير لا يبرر إنكار الظاهرة ذاتها.
إنّ الموقف الأكثر علمية قد يكون الاعتراف الصريح بأن الإنسان يمثل حالة شاذة داخل التاريخ البايولوجي المعروف، وأن فائض التمثّل ليس مجرد تفصيل ثانوي في وعيه، بل هو علامة على انكسارٍ ما في التسلسل المنطقي الذي كان يحكم التطور الحيوي قبل ظهور الإنسان. فكل ما يتجلّى في الحضارة البشرية من قلقٍ وجودي، وعنف عقائدي، وتضخم رمزي، وهوس بالمعنى، وتمزق نفسي، وصراع تأويلي، إنما يشير إلى أن الإنسان لم يعد يتحرك داخل الحدود التي أرستها الطبيعة للكائنات الأخرى.
وهكذا يصبح السؤال الحقيقي هو ليس: لماذا يمتلك الإنسان فائض التمثّل؟ بل: ما الذي حدث حتى أصبح هذا الفائض ممكنًا أصلًا؟ فكل ما نعرفه عن اقتصاد الطبيعة يوحي بأن ظهور هذا النمط من الوجود لم يكن ينبغي له، وفق المنطق البايولوجي الصرف، أن يحدث على الإطلاق.

أضف تعليق