تفكيك آلية عمل الاستعمار… كيف يتحول المجتمع إلى أداةٍ لاستعباد نفسه؟

من أكثر الأخطاء شيوعًا في فهم الاستعمار اختزالُه في صورة الجيوش الغازية أو الاحتلال العسكري المباشر أو السيطرة الاقتصادية الظاهرة. فهذه جميعًا ليست سوى المظاهر الخارجية لظاهرة أعمق بكثير، تتمثل في قدرة القوى الاستعمارية على إعادة تشكيل البنية النفسية والاجتماعية للشعوب الواقعة تحت الهيمنة، بحيث يتحول المجتمع نفسه، من حيث لا يشعر، إلى شريكٍ في إعادة إنتاج انقسامه واستدامة ضعفه.
ولعلّ دهاقنة الاستعمار أدركوا منذ وقتٍ مبكر أن السيطرة بالقوة المباشرة وحدها مكلفة وغير مستقرة، وأن الاحتلال الحقيقي لا يتحقق بإخضاع الأرض فحسب، بل بإعادة هندسة العلاقات داخل المجتمع ذاته. ومن هنا تفتقت عقليتهم عن واحدة من أخطر الآليات السياسية في التاريخ، وأكثرها بساطةً من حيث المبدأ، وأشدها تعقيدًا من حيث النتائج، وهي: توسيع الخلافات بين أفراد الشعب الواحد وتعميقها، والعمل على اختلاقها إن لم تكن موجودة أصلًا.
فالاستعمار لا يحتاج دائمًا إلى خلق الانقسام من العدم؛ إذ يكفيه غالبًا أن يعثر على اختلافات موجودة أصلًا داخل أي مجتمع بشري، سواء كانت دينية أو مذهبية أو عرقية أو لغوية أو قبلية أو طبقية، ثم يبدأ بتحويلها تدريجيًا من مجرد اختلافات قابلة للتعايش إلى هويات متصارعة تشعر كل جماعة فيها أن بقاءها مرهون بإضعاف الجماعة الأخرى أو القضاء عليها.
وهنا تكمن عبقرية الاستعمار السوداء؛ فهو لا يفرض الانقسام فرضًا مباشرًا بقدر ما يعمل على إعادة تعريف وعي الناس بأنفسهم وبالآخرين. فالجار الذي كان مجرد جار يصبح “خطرًا مذهبيًا”، والشريك في الوطن يتحول إلى “تهديد عرقي”، والاختلاف المنطقي يغدو “صراعًا وجوديًا”. ومع مرور الزمن، لا يعود المجتمع بحاجة إلى قوة خارجية كبيرة لتفكيكه، لأنه يبدأ بإنتاج الانقسام ذاتيًا، وكأن الفتنة أصبحت جزءًا من آلية عمله الداخلية.
ولعلّ واحدة من أوضح الأمثلة التاريخية على ذلك هو ما فعلته الإمبراطورية البريطانية في الهند. فالهند، على الرغم من تنوعها الديني والإثني الهائل، عرفت عبر قرون طويلة أشكالًا متعددة من التعايش والتوازن الاجتماعي. غير أن الإدارة الاستعمارية البريطانية أدركت أن توحّد الهنود يشكل تهديدًا مباشرًا لاستمرار السيطرة البريطانية، فعملت بصورة منهجية على تعميق الانقسام بين الهندوس والمسلمين، سواء عبر السياسات الإدارية أو التمثيل السياسي أو إعادة توزيع الامتيازات والنفوذ. ولم يكن الهدف مجرد إدارة الاختلاف، بل تحويله إلى شعور دائم بالخوف المتبادل. وكانت النتيجة النهائية واحدة من أكثر عمليات التقسيم دموية في العصر الحديث عند تقسيم الهند وقيام باكستان سنة 1947، حيث سقط مئات الآلاف من القتلى، ونزح الملايين، وتحولت الجراح التي غذّاها الاستعمار إلى ميراث تاريخي ما تزال آثاره حاضرة حتى اليوم.
وفي إفريقيا، اعتمد الاستعمار الأوروبي الآلية ذاتها بصورة تكاد تكون حرفية. ففي رواندا مثلًا، ساهم الاستعمار البلجيكي في ترسيخ الانقسام بين الهوتو والتوتسي عبر تصنيفات عرقية وإدارية حادة، ومنح امتيازات لفئة على حساب أخرى، حتى تحول الاختلاف الاجتماعي المرن إلى هوية صلبة مشحونة بالإحساس التاريخي بالظلم والهيمنة. وبعد عقود من تراكم الاحتقان، انفجرت البلاد في واحدة من أبشع المجازر الجماعية في القرن العشرين سنة 1994، حين قُتل مئات الآلاف خلال أشهر قليلة، في مشهد يكشف كيف يمكن للانقسام المصنوع سياسيًا أن يتحول إلى آلة تدمير ذاتي للمجتمع.
أما في المشرق العربي، فقد أدركت القوى الاستعمارية منذ وقت مبكر أن أخطر ما يمكن أن تواجهه هو نشوء وعي جمعي يتجاوز الطوائف والمذاهب والأعراق. ولذلك جرى، في كثير من الأحيان، تكريس البنى الطائفية والقبلية والمناطقية بدل العمل على تفكيكها. ولم يكن ذلك دائمًا عبر المؤامرات المباشرة أو الاجتماعات السرية كما يتخيل البعض، بل كثيرًا ما تم عبر إعادة بناء المؤسسات السياسية والإدارية بطريقة تجعل كل جماعة تشعر أن أمنها ومصالحها مرتبطان ببقائها في مواجهة الجماعات الأخرى.
وهنا يظهر الوجه الأخطر للاستعمار؛ إذ إنه لا يكتفي بإضعاف المجتمع أثناء تواجده العسكري أو السياسي، بل يزرع داخله آليات انقسام تستمر بالعمل حتى بعد رحيله. ولهذا كثيرًا ما ترث الدول الخارجة من الاستعمار مجتمعات مأزومة، ليس بسبب الاحتلال المباشر فحسب، بل بسبب تحول الانقسام إلى جزء من البنية النفسية والسياسية للجماعة البشرية نفسها.
غير أن الخطأ الأكبر الذي تقع فيه الشعوب هو اعتقادها أن الاستعمار لا يزال دائمًا قوة خارجية واضحة المعالم. فالاستعمار في صورته الأعمق قد ينجح في تحويل أفراد المجتمع أنفسهم إلى أدوات لإدامة التفكك؛ حين يصبح الناس مستعدين لاستهلاك طاقتهم ومواردهم وأعمارهم في صراعات داخلية لا تنتهي، بدل توجيه هذه الطاقة نحو البناء والنهوض والتحرر الحقيقي.
ومن هنا فإن أخطر انتصار يحققه الاستعمار ليس احتلال الأرض، بل احتلال الوعي؛ أي حين ينجح في جعل المجتمع عاجزًا عن رؤية ذاته خارج منطق الانقسام، وغير قادر على تخيل وجوده إلا بوصفه جماعات متناحرة يخاف بعضها بعضًا أكثر مما يخاف من القوى التي صنعت هذا الانقسام أو غذّته.
ولهذا فإن مقاومة الاستعمار لا تبدأ دائمًا من البندقية، بل قد تبدأ أحيانًا من استعادة القدرة على رؤية الآخر داخل الوطن بوصفه شريكًا في المصير وليس خصمًا وجوديًا، وذلك لأن المجتمع الذي يفشل في تحييد الفتنة الداخلية يظل، مهما امتلك من شعارات التحرر، قابلًا لأن يُستعمَر مرةً بعد أخرى، وبأشكال مختلفة.

أضف تعليق