
من أعمق المحن التي ابتُليت بها الثقافة العربية المعاصرة، أنها لم تكن تُدار دائماً بموازين القيمة المعرفية، بل خضعت مراراً لسطوة “صناعة النجم” والائتلافات السياسية والموضات الفكرية العابرة. وربما تختزل تجربة العلامة محمود محمد شاكر (أبو فهر) هذه المفارقة المريرة؛ فلقد كان هذه المفكر الفذ رجلاً ملَكَ من ناصية البيان وتذوق لغة العرب وأسرار ثقافتها ما لم يملكه جيل كامل من معاصريه، ومع ذلك آثر العزلة المهيبة، أو بالأحرى، أُلجئ إليها، لينصرف بريق الصدارة والانتشار الجماهيري إلى أسماء ملأت الدنيا وشغلت الناس، لكنها كانت أقل قدرة على تذوق هذا اللسان وتبيّن أصالة نسقه المعرفي.
إن تحليل ظاهرة غياب محمود شاكر عن الوعي الجمعي العام وعن أروقة الأكاديميا الرسمية، يكشف عن علّة بنيوية؛ فالرجل أقصيَ لجزالة أسلوبه التي استعصت على قارئ الصحافة السريعة، ولصرامته الأخلاقية والعلمية التي رفضت الدخول في شبكات المصالح الثقافية، وقبل كل شيء، لرفضه القاطع لإسقاط المناهج الغربية الجاهزة على النص العربي. فلقد عوقب شاكر لأنه رفض “التبعية” ولم يقبل بـ “الهزيمة النفسية” أمام المركزية الغربية.
بيد أن تجربة تجاهل العلامة شاكر لا ينبغي أن تقف عند حدود الرثاء أو البكاء على أطلال العبقرية التي لم تُقدََر حق قدرها، بل يجب أن تكون هي “نقطة الانطلاق” والشرارة التي توقظ فينا وعياً نقدياً تأخر كثيراً. لقد آن الأوان، وبقوة، لتدشين مراجعة نقدية شاملة لتراثنا الفكري في العقود السبعة الأولى من القرن العشرين (أي منذ مطلع القرن وحتى عام 1970). إننا مدعوون اليوم لنبش تلك المرحلة، لا لإعادة تدوير الأسماء التي استهلكتها الأطروحات الجامعية والندوات التلفزيونية، بل للبحث عن “المفكرين الظلّيين” الذين طواهم النسيان المتعمد أو العفوي. إنها دعوة للبحث عن شخصيات فكرية وأدبية فذة انصرف عنها الاهتمام الشعبي والأكاديمي لذات الأسباب التي حاصرت محمود شاكر، والمتمثلة في كونهم قد رفضوا أن يكونوا صدى للآخر، أو لأن مشاريعهم كانت من الضخامة والعمق بحيث لم تسعها قوالب “السهل الممتنع” أو الشعارات الأيديولوجية. فالهدف من هذا النبش المعرفي ليس ترفاً تاريخياً، بل هو رغبة حتمية في الخروج من جلابيب مفكرين من طراز طه حسين، وعباس محمود العقاد، وتوفيق الحكيم. مع تمام الاحترام لإسهاماتهم، إلا أن حصر الفكر العربي في أطروحاتهم قد حبس العقل المعرفي لقرن كامل في ثنائيات عقيمة: (أصالة أم معاصرة؟ تغريب أم انغلاق؟).
إن البحث عن “التصورات البديلة” المخبأة في أدراج المفكرين المنسيين في تلك العقود السبعة، هو سبيلنا الوحيد لإبداع معرفة جديدة تماماً؛ معرفة تتسم بخصيصتين كُبريين:
1. البراءة من الانهزام النفسي، فهي معرفة لا تشعر بالدونية أو النقص تجاه الغرب، ولا تلهث وراء مناهجه ومصطلحاته لتكتسب “شرعية علمية” زائفة.
2. التحرر من النرجسية الشوفينية، فهي معرفة لا تنكفئ على الذات انكفاءً أعمى، ولا تدافع عن التراث بدوافع “عاطفية” أو استعلاء قَبْلي زائف، كرد فعل على التغريب.
إن القراءة البديلة التي ننشدها من وراء هذا المشروع، هي تلك المقاربة الشجاعة القادرة على النظر إلى الشرق والغرب بـ “عين متبصرة” وليس بـ “عين منبهرة” أو بـ “عين حاقدة”؛ عينٌ تملك من الثقة ما يجعلها تتبين ما في الغرب (والشرق الأقصى) من إيجابيات ومناهج علمية من الضروري والذكي أن نفيد منها ونوظفها، كما وتملك في الوقت ذاته من الشجاعة المعرفية والأخلاقية ما يخولها لتشخيص ما في تراثنا وواقعنا من سلبيات وفجوات، لا نخجل من الاعتراف بها، بل نعمل على تفكيكها وتصويبها.
لقد كان حرياً بآبائنا وأجدادنا في القرن العشرين أن يلتفتوا إلى هذا “الاستقلال المعرفي”، وأن يؤسسوا لهذا التوازن قبل الشروع في بناء معارك الهوية الهامشية. لكنهم استهلكوا طاقتهم في الاستقطابات السياسية والأيديولوجية، ولم يتركوا للمفكر الأصيل مساحة ليتنفس خارج الإطار الرسمي.
وكما قالت العرب قديماً: “لكل مقام مقال، ولكل زمان فكر ورجال”، وإذا كان زمانهم قد انقضى بما له وما عليه، فإن زماننا الحالي، بسيولته الثقافية واهتزاز هويته، هو “المقام” الأنسب لطرح هذا “المقال” الراديكالي. إن التفتيش في مصنفات ورسائل أولئك الذين أُقصوا من مشهد الصدارة، ليس مجرد إنصاف للتاريخ، بل هو طوق النجاة الوحيد لصياغة مستقبل فكري عربي متحرر، أصيل، وعالمي في آن واحد.
