
بينما تقف الفلسفة المعاصرة اليوم متأملةً مسيرة قرن وثبّت فصوله الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، الذي غادرنا عن عمر ناهز 104 أعوام، يتضح جلياً أن الاحتفاء الحقيقي بهذا الفكر المخضرم لا يكمن في صياغة مراثٍ أكاديمية، بل في إعادة تفعيل مقاربته المنفتحة كخارطة طريق لإنقاذ الوعي الإنساني. فلم يكن موران مجرد مفكر أنتج نسقاً وبحث عن اتباع، بل كان حلقة الوصل الكبرى التي أعادت ربط أواصر الفلسفة بمباحث معرفية ظن الكثيرون أنها نائية عنها؛ فمد جسوراً إبستمولوجية صلبة تبدأ من أدق تفاصيل البايولوجيا الجزيئية والسيبرنتيقا، ولا تنتهي عند تخوم فيزياء الكم وغوامضها.
ولقد تجسدت الإضافة الفلسفية الأبرز التي قدمها موران في أطروحته المركزية حول “الفكر المركب” (La Pensée Complexe)؛ حيث خاض موران حرباً فكرية ضارية ضد ما أسماه “الفكر التبسيطي” أو “الذكاء الأعمى” الذي هيمن على العصر الحديث؛ ذلك النمط المعرفي الذي يقوم على الاختزال والتجزئة، ويفصل العلوم الإنسانية عن العلوم الطبيعية تحت ذريعة “التخصص الدقيق”.
تُذكرنا أطروحة موران بأن الفلسفة، في جوهرها الأصيل، لا تملك غير أن تكون نظاماً معرفياً فائق التعقيد. وكل محاولة لتبسيط هذا النظام، أو عزله في أبراج عاجية من التأملات النظرية المحضة، ستنتهي بها لا محالة إلى شيء آخر تماماً: مسخ معرفي هو أبعد ما يكون عن الفلسفة ذاتها. فالواقع مركب ومتشابك ومتغير، والتعامل معه بأدوات تبسيطية يشبه محاولة قياس عمق المحيط بمسطرة خشبية. ومن هنا، فلقد أثبت موران أن الفلسفة الحقة هي التي تمتلك الشجاعة المعرفية لاحتضان التناقض والشك واللايقين، متبنياً مبادئ حوارية تتيح للنظام والفوضى أن يتعايشا داخل التفسير الواحد للظاهرة.
ولم يكتفي موران عند نقد التبسيط، بل قدم البديل التطبيقي في موسوعته الضخمة “المنهج” (La Méthode)؛ حيث تبيّن أن فهم الكائن البشري مستحيل دون العودة إلى جذوره البايولوجية والتطورية، وفي الوقت نفسه، فإن البايولوجيا وحدها تظل قاصرة إن لم تُقرأ بأدوات فيزيائية وفلسفية متطورة.
استلهم موران من فيزياء الكم مبدأ التداخل بين الملاحِظ والملاحَظ، ومفهوم الاحتمالية، ليعيد صياغة علاقة الإنسان بالكون. فلقد جعل موران من الفلسفة ساحة تتقاطع فيها ديناميكيات التنظيم الذاتي للخلايا الحية مع تعقد الوعي الإنساني، ليؤكد أن الفصل بين “الإنساني” و”الطبيعي” هو خطأ إبستمولوجي فادح. لقد كان موران طليعياً في إدراك أن الفلسفة يجب أن تتغذى على منجزات العلم الحديث لتظل حية، وأن العلم بدوره يحتاج إلى أفق الفلسفة التركيبي كي لا يتحول إلى أداة تدميرية عمياء.
إن ما قام به ادغار موران يحض التيار الطليعي للفكر الفلسفي على ادراك ان الوقت قد حان ليمد يده إلى كافة المباحث المعرفية الأخرى التي تشاركه ذات الشاغل الفلسفي الأصيل والمصيري؛ وهو الشاغل الذي تمحورت حوله ابحاث موران في عقوده الأخيرة والمتمثل في البحث عن العلة الكامنة وراء هشاشة الإنسان وكيفية تلافي آثارها.
فوفقاً لهذا المنظور فإن الإنسانية اليوم تعيش أزمة مصيرية ناتجة عن هشاشتها البايولوجية والنفسية ككائن طارئ على الطبيعة ومفارق لها. غير أن الكارثة الكبرى تكمن في كون هذه الهشاشة قد امتدت إلى نظام الإنسان المعرفي نفسه، فجعلته “يلتاث” بالدوغما والتعصب والاختزال والأوهام الأيديولوجية. وهذه اللوثة المعرفية تحول دون الوصول إلى حقيقة الظاهرة الإنسانية، وتعمي الأبصار عن فهم “المشكلة الإنسانية” في كليتها.
إن مقاربة ادغار موران تحثنا على تحديد إطار معرفي جديد يعين على تبين كيفية التعامل الصائب مع هذه الهشاشة؛ وهو إطار لا يهرب من الأزمات بل يواجهها عبر مفهوم “الوطن الأرض” (Terre-Patrie)، مؤكداً أن الوعي بتعقد النظام المعرفي هو السبيل الوحيد لبناء تضامن شمولي حقيقي يتجاوز الهويات المعرفية الضيقة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن إدغار موران وإن كان لم يترك خلفه مدرسة فلسفية مغلقة أو مذهباً متحجراً فإن هذا هو انتصاره الأكبر؛ حيث أن فكره كان معادياً بطبعه للتمذهب والانغلاق. فغياب أي مدرسة تحمل راية ادغار موران التقليدية هو دليل على أن مشروعه ليس نسقاً مكتمل البنيان يُعرض في المتاحف، بل هو طريقة تفكير ومنهجية حية مفتوحة للمستقبل.
إن غياب هذا الركن الموسوعي يضع على عاتق الفكر المعاصر مسؤولية كبرى تتمثل في أن لا يعود إلى شرنقة التخصصات المعزولة، وأن يدرك أن السبيل الوحيد لفهم الإنسان وحمايته من تدميره الذاتي يمر عبر الإبحار الشجاع في محيط التعقيد، مقتفين أثر ذلك المنهج الذي لا ينتهي بانتهاء صاحبه، بل يبدأ الآن كضرورة وجودية لا غنى عنها.
