التعقيد بوصفه تمرّدًا على اقتصاد الطبيعة… كيف جعل فائض التمثّل الإنسان عاجزًا عن الحلول البسيطة؟

لعلّ من أكثر السمات الإنسانية إثارةً للتأمل ذلك الميل المستمر إلى تعقيد المسائل والمشكلات التي تعترض الإنسان في حياته الفردية والجماعية. فالملاحظ أن كثيرًا من المشكلات التي تبدو في أصلها بسيطة ومحددة وقابلة للحل المباشر تتحول، بمجرد دخولها إلى المجال الإنساني، إلى شبكات متداخلة من الاحتمالات والتوقعات والحسابات والهواجس والاعتبارات المتناقضة، حتى يصبح الوصول إلى حلٍّ لها أكثر صعوبة من المشكلة نفسها.
ولعلّ هذه الظاهرة لا يمكن فهمها فهمًا عميقًا ما لم تُقرأ في ضوء التحول الجذري الذي أحدثه فائض التمثّل في البنية الذهنية للإنسان. فالحيوان يعيش داخل ما يمكن تسميته “اقتصاد الطبيعة”، أي ذلك النظام الصارم الذي لا يسمح باستهلاك الطاقة إلا في الحدود الضرورية للبقاء والتكاثر والاستمرار. ولذلك فإن استجاباته للمشكلات تكون مباشرة ومقتصدة ومحددة الهدف. فإذا واجه خطرًا هرب أو قاتل، وإذا احتاج غذاءً بحث عنه، وإذا اعترضه عائق تجاوزه أو التف عليه. فالمشكلة عنده تبقى ضمن حدودها الواقعية المباشرة. أما الإنسان فقد غادر هذا الاقتصاد الطبيعي منذ اللحظة التي تضخمت فيها قدرته التمثلية، فأصبح لا يتعامل مع المشكلة الواقعية وحدها، بل مع عشرات وربما مئات الصور الذهنية المرتبطة بها؛ فهو لا يسأل فقط: ما المشكلة؟ بل يسأل أيضًا: ماذا لو حدث كذا؟ وماذا لو فشل الحل؟ وماذا ستكون ردة فعل الآخرين؟ وكيف سيُفسَّر هذا القرار؟ وما النتائج البعيدة التي قد تترتب عليه؟ وما المخاطر التي يمكن أن تظهر مستقبلاً؟ وما الذي يمكن أن يحدث لو حدث ما لا أتوقعه أصلًا؟ وهكذا تتحول المشكلة الواحدة إلى مجموعة من المشكلات الافتراضية التي لا وجود لها إلا داخل فضاء التمثّل.
ومن هنا ينشأ ما يمكن تسميته “تضخم التحوّط”. فالتحوط في حد ذاته آلية عقلانية ومفيدة، لكن فائض التمثّل يدفع الإنسان إلى الإفراط فيه حتى يصبح التحوط ذاته عائقًا أمام الفعل. فبدلاً من أن يساعد التفكير في تجنب الأخطاء، يتحول إلى مصدر لإنتاج عدد لا نهائي من الاحتمالات التي تشل القدرة على اتخاذ القرار.
ولعلّ كثيرًا من مظاهر البيروقراطية الحديثة تمثل نموذجًا مثالياً لهذه الظاهرة. فإجراءات بسيطة كان يمكن إنجازها بخطوات محدودة تتحول إلى سلاسل طويلة من الموافقات والتدقيقات والاحتياطات والنماذج والوثائق. والسبب ليس دائمًا وجود خطر حقيقي، بل الخوف من أخطار محتملة قد لا تقع أصلًا. وهكذا يصبح النظام منشغلًا بحماية نفسه من الاحتمالات أكثر من انشغاله بإنجاز المهمة التي أُنشئ من أجلها. والأمر ذاته يظهر في العلاقات الإنسانية. فكثير من الخلافات تبدأ بسبب سوء فهم بسيط، لكن فائض التمثّل لا يتركها في حدودها الطبيعية. إذ يبدأ كل طرف بإضافة طبقات جديدة من التأويلات والافتراضات والنيات المفترضة والرسائل الخفية والمعاني المستترة، حتى تتحول حادثة صغيرة إلى أزمة معقدة يصعب فك تشابكاتها، وما كان يمكن حله بكلمة واحدة قد يحتاج بعد ذلك إلى شهور أو سنوات من الخصام والجدال. كما يظهر هذا الميل بوضوح في السياسة والفكر. فكثير من المشكلات التي تمتلك حلولًا عملية ومباشرة تُغرقها الأيديولوجيات والرؤى المتنافسة بطبقات كثيفة من التفسيرات والمواقف المبدئية والمخاوف المستقبلية، حتى يصبح الاتفاق مستحيلًا رغم وضوح المصلحة المشتركة.
ومن المفارقات اللافتة أن الإنسان كثيرًا ما ينجح في بناء حلول معقدة للغاية، لكنه يفشل في رؤية الحل البسيط الموجود أمامه. فكأن فائض التمثّل يجعله يميل إلى الاعتقاد بأن الحل البسيط لا يمكن أن يكون كافيًا، وأن التعقيد علامة على العمق والذكاء، بينما البساطة علامة على السذاجة. ولذلك كثيرًا ما يرفض الإنسان الحلول الواضحة لأنها تبدو أقل إثارة من البناءات الذهنية الضخمة التي أنتجها عقله. ومن هنا يمكن القول إن أحد الفروق الجوهرية بين الإنسان والحيوان لا يكمن في القدرة على حل المشكلات فحسب، بل في القدرة على إنتاج مشكلات إضافية فوق المشكلة الأصلية. فالحيوان يواجه الواقع كما هو، أما الإنسان فيواجه الواقع مضافًا إليه عالمٌ كامل من الاحتمالات والرموز والتوقعات والهواجس التي يصنعها بنفسه.
ولعلّ هذه السمة تمثل وجهًا آخر من وجوه الانعطافة التمثّلية الكبرى التي غادَر بها الإنسان اقتصاد الطبيعة؛ فمنذ تلك اللحظة لم يعد الخطر مقتصرًا على ما هو موجود فعلاً، بل أصبح يشمل ما يمكن أن يوجد، وما قد يوجد، وما يُخشى أن يوجد، وما يتخيله الإنسان أنه قد يوجد. وهكذا وجد الإنسان نفسه يعيش داخل عالم من التعقيد المتنامي، حتى أصبح عاجزًا في كثير من الأحيان عن الوصول إلى الحلول التي كانت الطبيعة ستدفعه إليها لو بقي داخل اقتصادها الأصلي.
إن الإنسان لا يعاني فقط من كثرة المشكلات، بل من قدرته الاستثنائية على تحويل المشكلات البسيطة إلى متاهات من التمثّلات. وربما كان هذا أحد الأثمان الكبرى التي دفعها مقابل ذلك الفائض الهائل من الوعي والخيال والقدرة على التوقع الذي جعله إنسانًا.

أضف تعليق