
لعلّ من أكثر الأسئلة التي لم تحظَ بما تستحقه من اهتمام في دراسة الإنسان ذلك السؤال البسيط في ظاهره، العميق في دلالاته: لماذا لا يعاني الحيوان من القلق الوجودي؟ فالحيوان، شأنه شأن الإنسان، يواجه الأخطار ويعيش تحت تهديد الموت ويكابد الجوع والعطش والمرض والإصابة. بل إن كثيرًا من الحيوانات تعيش في بيئات أشد قسوة وخطورة من البيئات التي عاش فيها الإنسان طوال معظم تاريخه. ومع ذلك لا نرى في عالم الحيوان ما يشبه ذلك القلق العميق الذي يلازم الإنسان، ولا ذلك الانشغال المفرط بالمستقبل، ولا ذلك الخوف من العدم، ولا ذلك التساؤل المستمر عن معنى الحياة وجدوى الوجود. فالذئب لا يقضي لياليه متسائلًا عن الغاية من وجوده. والغزال لا ينهار نفسيًا بسبب فكرة الموت. والطيور لا تدخل في أزمات هوية. والأسماك لا تؤلف فلسفات عن العبث الكوني. وحتى أكثر الحيوانات ذكاءً لا تبدو منشغلة بأسئلة الوجود الكبرى التي تكاد تستهلك القسم الأعظم من التراث الفكري والفلسفي للإنسان.
وهنا تحديدًا تظهر واحدة من أعظم المفارقات في التاريخ البايولوجي. فإذا كان الإنسان مجرد امتداد متصل للحيوان، فلماذا ظهر هذا الانفجار الهائل من القلق الوجودي عنده وحده؟ ولماذا لم تظهر حتى بدايات بسيطة لهذا القلق عند بقية الكائنات التي تشاركه كثيرًا من البنى العصبية والانفعالية؟ إن التفسير التقليدي غالبًا ما يعزو ذلك إلى تطور الذكاء البشري. لكن هذا الجواب، على بساطته، لا يحل المشكلة بقدر ما يعيد صياغتها. لأن السؤال الحقيقي لا يتعلق بزيادة الذكاء، بل بنتائج هذه الزيادة. فزيادة الذكاء لا تفسر وحدها ظهور حالة نفسية معقدة ومزمنة ومكلفة كالقلق الوجودي، تمامًا كما أن زيادة قوة العضلات لا تفسر ظهور الشعر أو الموسيقى، بل إن السؤال الأهم هو: ما الذي جعل الذكاء البشري يتحول إلى أداة لإنتاج المعاناة بدل أن يبقى وسيلة لتحسين فرص البقاء؟
وهنا يبرز مفهوم “فائض التمثّل” بوصفه مفتاحًا تفسيريًا مختلفًا. فالإنسان لا يتميز عن الحيوان بأنه يعرف أكثر فحسب، بل بأنه يمثل الواقع داخل ذهنه بدرجة غير مسبوقة. إنه لا يعيش اللحظة فحسب، بل يعيش صورًا متخيلة عن المستقبل. ولا يواجه الخطر حين يقع فقط، بل يعيد إنتاجه في ذهنه آلاف المرات قبل أن يقع وربما بعد أن ينتهي بسنوات. ومن هنا فإن القلق الوجودي ليس خوفًا من خطر حقيقي مباشر، بل هو خوف من تمثّلٍ ذهني للخطر. فالإنسان يستطيع أن يتخيل موته وهو لا يزال في كامل صحته. كما ويستطيع أن يتألم بسبب خسارة لم تحدث بعد. ويستطيع أن ينهار نفسيًا بسبب احتمالات لا وجود لها خارج ذهنه.
وهذا ما لا نجده في الحيوان. فالحيوان يخاف الخطر حين يظهر أمامه. أما الإنسان فيستطيع أن يخاف الخطر قبل ظهوره وبعد زواله، بل وأن يخترع أخطارًا لم توجد أصلًا. فالإنسان هو الكائن البايولوجي الوحيد الذي لا يعيش في الواقع وحده، بل في نسخة تمثّلية من الواقع، وهذه النسخة كثيرًا ما تصبح أكثر تأثيرًا من الواقع نفسه.
ومن هنا يمكن القول إن القلق الوجودي ليس مرضًا عارضًا أصاب الإنسان، بل هو نتيجة مباشرة لخروجه من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل.
فالطبيعة لا تسمح بإهدار الطاقة في فعاليات لا تخدم البقاء، ولذلك فإن معظم أشكال الخوف الحيواني مؤقتة ومحددة ومرتبطة بمثيرات مباشرة. أما القلق الوجودي عند الإنسان فهو حالة مزمنة قد تستمر سنوات أو عقودًا دون وجود خطر فعلي؛ وذلك لأنه استنزاف دائم للطاقة النفسية والعصبية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. فكلما ازداد الإنسان قدرة على تمثل المستقبل، ازداد تعرضًا للقلق. وكلما اتسعت قدرته على التخيل، ازداد انكشافه على المعاناة النفسية. وكلما تضخمت قدرته على بناء المعاني، ازداد احتمال سقوطه في أزمة معنى. وبذلك يكون الإنسان قد حصل على مكاسب معرفية هائلة، لكنه دفع مقابلها ثمنًا وجوديًا بالغ القسوة.
ولعلّ هذا هو ما يفسر لماذا تبدو الحضارات البشرية كلها مشغولة، وبدرجات متفاوتة، بمحاولة معالجة القلق الوجودي. فالفلسفات تعد بالحكمة، والأيديولوجيات تعد بالمستقبل الأفضل، والفن يعد بالجمال، والعلم يعد بفهم العالم، وحتى الثروة والشهرة والسلطة كثيرًا ما تتحول إلى محاولات غير واعية للهروب من ذلك الشعور العميق بالهشاشة الوجودية. إن جميع هذه البنى قد تُقرأ بوصفها استجابات مختلفة للمشكلة نفسها؛ حيث أنها كلَّها جميعاً تمثل تجليات لما أصبح عليه الانسان بعد الانعطافة التطورية الأولى التي جعلته كائناً يعي وجوده.
ومن هنا تكتسب قصة آدم والأكل من الشجرة بعدًا جديدًا. فإذا كانت الشجرة قد تسببت، كما تم تبيانه في المقالة السابقة، في “الانفجار التمثّلي الكبير”، فإن القلق الوجودي يمثل إحدى أولى نتائج ذلك الانفجار. فالإنسان بعد الأكل من الشجرة لم يكتسب معرفة إضافية فحسب، بل اكتسب “وعيًا بذاته”، كما واكتسب القدرة على النظر إلى نفسه من الخارج، وأصبح قادرًا على تصور مستقبله ومصيره ونهايته. وبعبارة أخرى فأنه أصبح يعاني من قلق وجودي يكاد لا يفارقه لحظة. ومن اللافت أن السردية القرآنية تربط مباشرة بين هذا التحول وبين مفارقة حالة الطمأنينة الأولى التي كان عليها الانسان قبل أكله من الشجرة.
فكأن القصة تشير، بلغة رمزية مكثفة، إلى أن الوعي الجديد لم يكن مكسبًا خالصًا، بل كان بداية مرحلة مختلفة بالكامل من الوجود الإنساني؛ وهي مرحلة أصبح فيها الإنسان الكائن البايولوجي الوحيد الذي يستطيع أن يتحول وعيه ذاته إلى مصدر عذاب دائم.
ولعلّ هذا ما يجعل القلق الوجودي واحدًا من أقوى الأدلة على أن الإنسان لا يمثل مجرد نسخة أكثر ذكاءً من الحيوان. فالمسألة لا تتعلق بدرجة أعلى من الإدراك، بل بنمط جديد من الوجود؛ وهو نمط يجعل الإنسان يعيش بين عالمين في آن واحد: عالم الواقع وعالم التمثّلات. وكلما ازداد الإنسان انغماساً في العالم الثاني، ازداد ابتعادًا عن اقتصاد الطبيعة الذي لا يعرف القلق الوجودي ولا أزمة المعنى ولا الخوف من العدم.
وهكذا يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا يقلق الإنسان؟ بل: ما الذي حدث في تاريخه حتى أصبح الكائن الوحيد القادر على القلق بشأن وجوده ذاته؟ وذلك لأن هذا السؤال، أكثر من أي سؤال آخر، يقودنا إلى فهم طبيعة الانعطافة الكبرى التي خرج معها الإنسان من عالم الحيوان الى عالم جديد ما أن وطأته قدماه حتى اصبح واعياً بذاته وعياً قُدِّر له أن يشقى معه إلا إن هو تدارك الامر فاتبع هدي الله.
