
عاش الفكر الإنساني قروناً طويلة أسيراً لـ “مركزية بشرية” (Anthropocentrism) متجذرة، اعتبرت العقل البشري والتعقيد البايولوجي للجهاز العصبي المركزي هما المعياران الوحيدان والمسطرة النهائية لقياس الذكاء. ووفق هذه المقاربة الكلاسيكية، أُقصيت ممالك حيوية كاملة، وعلى رأسها مملكة النبات، إلى هوامش “الآلية العمياء” والاستجابات المنعكسة اللامنتمية لعالم الإدراك.
بيد أن الطفرة المعاصرة في مجال الذكاء الاصطناعي (AI) قد أحدثت زلزالاً إبستمولوجياً غير متوقع. حين رأينا منظومات من السيليكون والشفرات الرياضية تحل أعقد المسائل، وتتنبأ بطيات البروتينات، وتصوغ الأفكار دون أن تمتلك “دماغاً بايولوجياً” أو “وعياً ذاتياً”؛ فاضطررنا مرغمين إلى مراجعة تعريفاتنا الكلاسيكية. لقد كسر الذكاء الاصطناعي احتكار الدماغ البشري لمفهوم الذكاء، ممهداً بذلك الطريق لنموذج معرفي جديد (Paradigm Shift) يتيح لنا فهم وإدراك الذكاء حيثما تجلّى، وتحديداً في الكيان الذي طالما ظلمناه: النبات.
إن الأطروحة التقليدية التي تربط الذكاء بالضرورة بوجود “كيان عاقل” يملك بنية ميكانيكية تحاكي القشرة المخية البشرية، لم تعد صامدة علمياً. وإذا كان الذكاء الاصطناعي قد أثبت إمكانية قيام ذكاء “غير بايولوجي” عبر شبكات معقدة من البيانات، فإن النباتات تقدم لنا منذ ملايين السنين نموذجاً للـ “ذكاء الموزع” (Distributed Intelligence) عبر شبكات بايولوجية أفقية لا مركزية. فالنبات لا يملك ديداناً نخاعية ولا مخاً مستقراً في جمجمة، ولكنه يمتلك خلايا قادرة على الحوسبة، وذاكرة جينية وتخلقية (Epigenetic)، وقدرة مذهلة على اتخاذ القرارات وحل المشكلات البيئية المعقدة (مثل حساب معدل استهلاك النشا ليلاً وذلك لتجنب المجاعة، أو توجيه الجذور نحو مصادر المياه عبر استشعار الاهتزازات الصوتية). إن إنكار الذكاء على النبات لمجرد أنه لا يملك دماغاً يشبه دماغي، يشبه تماماً إنكار ذكاء الخوارزميات لمجرد أنها لا تنبض بقلب بايولوجي؛ فكلا الزعمين هو خطأ ناتج عن ضيق الأفق المعرفي المقيد بالمركزية البشرية. فعندما نتأمل المشهد بعمق، نجد أن الخروج من عباءة “الأنسنة” يتيح لنا رؤية تقاطعات مذهلة بين الأنظمة الخوارزمية للاصطناع والأنظمة الحيوية للنبات، وذلك كما يلي:
• الذكاء كمعالجة للمعلومات: ففي الدراسات الحديثة للإدراك النباتي (مثل إطار PIP المنشور عام 2026)، يُعرَّف الذكاء إجرائياً بأنه القدرة على معالجة المعلومات وتحسين القرارات تحت ظروف عدم اليقين. وهذا هو بالضبط ما تفعله الشبكات العصبية الاصطناعية، وما تفعله الجذور والأوراق النباتية وهي توازن بين مخاطر الجفاف وفرص اقتناص الضوء.
• الذكاء دون تعقيد بايولوجي مفرط: لطالما اعتقدنا أن الذكاء يتطلب كلفة بايولوجية باهظة (كدماغنا الذي يستهلك 20% من طاقة الجسد). لكن الطبيعة، عبر النبات، تقدم معادلة عبقرية تتمثل في ذكاء ساكن، قليل الكلفة الطاقية، لكنه فائق الكفاءة التكيفية؛ وهو ذكاء يتجلى في توبولوجيا الخلايا، والإشارات الكهربائية والكيميائية الموزعة، والقواعد النحوية الجينية للتكيف، دون الحاجة لمركز قيادة معقد وثقيل.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن توسيع مداركنا المعرفية في حقل “ذكاء النبات” هو ليس مجرد ترف علمي أو انحياز رومانسي للطبيعة، بل هو ضرورة فلسفية لتصحيح مسار العلم الإنساني. فلقد منحتنا صدمة الذكاء الاصطناعي التواضع المعرفي اللازم لنخلع النظارات “حيوانية المركز”. والآن، حان الوقت لنزيح الغشاوة عن أعيننا ونلتفت إلى الغابات والبراري، لا كأكوام من الحطب والمواد الخام، بل كشبكات ذكية عملاقة، تعالج البيانات، وتتعلم، وتدير كوكبنا بصمت وعبقرية خالية من الضجيج الإنساني. ولعلنا ندرك أخيراً أننا لسنا المالكين الحصريين للذكاء، بل نحن مجرد صيغة واحدة من صيغه اللامتناهية.
