
لم يكن الاستعمار يوماً مجرد حركة عسكرية عابرة تستهدف السيطرة على الأرض ونهب الثروات فحسب، بل كان، ولا يزال في أشكاله المتجددة، مشروعاً خبيثاً يستهدف تمزيق النسيج الاجتماعي والثقافي للشعوب. ولعل أبشع الجرائم التي ارتكبها دهاقنته هي تلك التي تركت ندوباً غائرة في جسد الأوطان، ندوباً تتوارثها الأجيال دون أن تدرك أحياناً من غرس نصلها الأول؛ أذ لم يطل على دهاقنةِ الاستعمار الأمدُ حتى تفتَّقت عقليتُهم عن آليةٍ تكفل لهم إحكامَ السيطرة على الشعوبِ المستعمَرة. وهذه الآليةُ المفرِطةُ في بساطتِها، والفائقةُ في تعقيدِ النتائجِ الناجمةِ عن العملِ بها، بالإمكانِ إيجازُها فيما يلي: توسيعُ الخلافاتِ بين أفرادِ الشعبِ الواحد وتعميقُها، والعملُ على اختلاقِها في حالِ انتفاءِ وجودِها، أو إن شئتَ إيقاظُ الفتنةِ من عميقِ سباتِها. فلقد أدرك المستعمر أن المواجهة المباشرة مع شعوب مجتمعة على قلب رجل واحد هي معركة خاسرة ومكلفة؛ فكان البديل الأقوى هو تطبيق سياسة “فرِّق تَسُد” برؤية هندسية خبيثة.
ففي المجتمعات الطبيعية، توجد دائماً فروقات وتنوعات (عرقية، مذهبية، أو قبلية) تعيش في حالة من التوازن والتعايش السلمي. وهنا يأتي دور الآلية الاستعمارية لتلعب على هذه المتناقضات:
• تضخيم الهويات الفرعية؛ حيث يتم تحويل التنوع الثقافي الثري إلى هويات مغلقة ومتصارعة.
• صناعة الامتيازات الوهمية، بتقريب فئة على حساب أخرى لخلق غيرة اجتماعية وأحقاد تاريخية مستدامة.
• اختلاق الأساطير التقسيمية، فإذا كان الشعب متجانساً تماماً، يعمد المستعمر إلى اختراع خطوط فصل وهمية (طبقية، مناطقية، أو حتى سياسية) لم تكن موجودة من قبل.
إن خطورة هذه الآلية تكمن في أن المستعمر قد يرحل بجسده وجيوشه، لكنه يترك وراءه قنابل موقوتة مستعدة للانفجار عند أول منعطف سياسي أو اقتصادي. فتصبح الفتنة التي أيقظها الاستعمار أداة تدمير ذاتي بأيدي أبناء الوطن الواحد، الذين يواصلون خوض معارك بالوكالة نيابة عن مستعمر رحل مخلفاً وراءه شتاتاً.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن التوجه الى الله تعالى بالدعاء بأن يلعن الاستعمار هو ليس لأن الاستعمار قام بسلب الأرض فحسب، ولكن لأن الاستعمار يسعى جاهداً لأن يسلب الإنسان وعيه، ولأنه يعمل على زرع الشقاق بين أفراد الشعب الواحد. كما ويتبين لنا أيضاً أن أولى خطوات التحرر الحقيقي اليوم تبدأ من تفكيك هذه الآلية الخبيثة، وإدراك أن قوتنا تكمن في تنوعنا، وأن الفتن النائمة يجب أن تظل نائمة، بل وأن تُقبر إلى الأبد.
