حين يُساء فهم النقد… هل كل انتقاد للجنس البشري دليل على كراهية أفراده؟

من أكثر الاعتراضات تكرارًا على المقالات التي دأبتُ على كتابتها ذلك الاعتراض القائل بأن ما تتضمنه هذه المقالات من نقدٍ حادٍ ومتواصل للإنسان لا يمكن تفسيره إلا بوصفه انعكاسًا لعقدةٍ نفسية دفينة أو موقفٍ عاطفي سلبي من البشر. ويذهب أصحاب هذا الاعتراض إلى أن دفاعي المستميت عن الحيوان، وإشادتي المتكررة بقدرته على الانسجام مع الطبيعة، لا يمثلان سوى الوجه الآخر لعداءٍ مزمن للإنسان، أو حنينٍ مرضي إلى عالم الحيوانيّة على حساب العالم الإنساني.
للوهلة الأولى قد يبدو هذا الاعتراض معقولاً، لكنه في حقيقته لا يكشف عن خللٍ في الأطروحة التي أطرحها بقدر ما يكشف عن نزعةٍ شائعة إلى تحويل النقاش الفكري إلى تشخيصٍ نفسي لصاحب الفكرة. فبدلاً من مناقشة الحجج ذاتها، يجري البحث عن “دافعٍ نفسي” يُفسّر وجودها. وهكذا يصبح النقد دليلاً على المرض، ويصبح الاختلاف الفكري عرضًا من أعراض اضطرابٍ شخصي.
غير أن هذا النمط من التفكير يواجه معضلةً جوهرية. فلو صحّ أن انتقاد ظاهرةٍ ما يكشف بالضرورة عن عقدةٍ تجاهها، لوجب علينا أن نصف كل ناقدٍ للاستبداد بأنه مصاب بعقدة تجاه الحكام، وكل ناقدٍ للرأسمالية بأنه مصاب بعقدة تجاه المال، وكل ناقدٍ للحروب بأنه مصاب بعقدة تجاه الجيوش. والحال أن أحدًا لا يفعل ذلك، لأن النقد في جوهره ليس تعبيرًا عن الكراهية، بل محاولة لفهم موطن الخلل وتشخيصه.
إن ما يثير استغراب هؤلاء النقاد على وجه الخصوص هو دفاعي المتكرر عن الحيوان بوصفه كائنًا أكثر انسجامًا مع الطبيعة من الإنسان. وهم يرون في ذلك دليلاً إضافيًا على وجود تحيزٍ ضد البشر. غير أن هذا الاستنتاج يقوم على افتراضٍ لا أساس منطقي له، وهو أن المفاضلة الأخلاقية بين الإنسان والحيوان هي الموضوع محل النقاش أصلاً.
والحال أن القضية التي أطرحها ليست قضية تفاضلٍ أخلاقي، بل قضية توصيفٍ أنطولوجي. فحين أقول إن الحيوان أكثر انسجامًا مع الطبيعة، فإنني لا أزعم أنه أرقى من الإنسان، كما أن عالِم الفيزياء حين يقول إن الماء أكثر استقرارًا من البخار فإنه لا يدّعي أن الماء “أفضل” أخلاقيًا من البخار. إننا هنا أمام أوصافٍ لا أمام أحكامٍ قيمية. أما الاستدلال الذي يقدمه بعض النقاد، والقائم على أن الأصل التطوري المشترك بين الإنسان والحيوان يكفي لإبطال القول بأن الإنسان كائن غير طبيعي، فهو استدلال يخلط بين الأصل والحالة الراهنة. فالأصل المشترك لا يحسم شيئًا بشأن طبيعة المآل النهائي.
فالفراشة تنحدر من يرقة، ومع ذلك لا يمكن اختزال الفراشة إلى كونها يرقةً متطورة. والطائرة الحديثة مدينةٌ في وجودها للمنطاد البدائي ولأحلام الطيران الأولى، لكن أحدًا لا يصفها بأنها مجرد منطادٍ أكثر تعقيدًا. فالتاريخ المشترك لا يلغي إمكان حدوث تحولات نوعية تغير طبيعة الكيان ووظيفته وخصائصه.
ولعلّ جوهر الخلاف بيني وبين هؤلاء النقاد لا يكمن في مسألة التطور ذاتها، بل في معنى “الطبيعة”. فهم يفترضون أن كل ما ينحدر من أصلٍ طبيعي يبقى طبيعيًا بالضرورة. أما الأطروحة التي أدافع عنها فتنطلق من احتمال مختلف، مفاده أن الإنسان قد شهد “انعطافةً تطورية” جعلته يغادر نمط العلاقة الذي يحكم بقية الكائنات الحية مع الطبيعة، لينتقل إلى نمطٍ آخر تحكمه التمثلات والرموز والتأويلات والهواجس والتوقعات.
ولهذا فإن دفاعي عن الحيوان لا ينطلق من تعظيم الحيوان، بل من اعتباره مرآةً تكشف مقدار الابتعاد الذي أصاب الإنسان عن الاقتصاد الطبيعي الذي ما تزال بقية الكائنات الحية تعمل بمقتضى محدداته. فالحيوان هنا ليس “مثالاً أخلاقيًا” أعلى، بل أداة مقارنة معرفية.
إن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يشن الحروب لأسباب رمزية، وأن يقتل باسم أفكار مجردة، وأن يعاني من القلق تجاه أحداث لم تقع بعد، وأن يستهلك جزءًا كبيرًا من حياته في مطاردة معانٍ واحتمالات وتمثلات لا وجود ماديًا لها. وهذه الخصائص ليست شتائم موجّهة للإنسان، بل وقائع يصعب إنكارها.
ومن هنا فإن تصوير النقد الموجه للإنسان بوصفه عقدةً نفسية لا يختلف كثيرًا عن تصوير الطبيب الذي يشخص المرض بوصفه كارهاً للمريض. فالغاية من التشخيص ليست الإدانة، وإنما الفهم.
ولعلّ المفارقة الكبرى أن أشد المدافعين عن الإنسان هم أولئك الذين يرفضون النظر إلى علله ونقائصه، بينما يكون أشد المهتمين بمصيره أحيانًا هم أولئك الذين يمتلكون الجرأة على مواجهة هذه العلل دون مواربة. فليس كل نقدٍ عداءً، وليس كل كشفٍ للخلل تعبيرًا عن كراهية. بل قد يكون العكس هو الصحيح: فالرغبة الصادقة في فهم الإنسان هي التي تدفع إلى نقده، أما الرضا بالصورة المريحة والمطمئنة فقد يكون، في كثير من الأحيان، شكلاً من أشكال التخلي عن مهمة فهمه حقًا.

أضف تعليق