الحب بوصفه مأزقًا تمثّليًا… كيف حوّل فائضُ التمثّل آليةً هرمونية بسيطة إلى معضلةٍ إنسانية بلا حل؟

إذا كان فائض التمثّل قد تسبب في تعقيد علاقة الإنسان بالعالم وبالمشكلات التي تواجهه، فإن المثال الأكثر وضوحًا وربما الأكثر مأساوية على ذلك يتمثل في الحب. فقلّما نجد ظاهرة إنسانية أخرى استهلكت من الوقت والجهد والتفكير والكتابة والفنون والآداب والفلسفات ما استهلكه الحب، ومع ذلك بقيت هذه الظاهرة، بعد آلاف السنين من التأمل فيها، عصيّة على الحل، وكأن البشرية لم تتقدم في فهمها العملي لها خطوةً واحدة توازي حجم ما أنفقته عليها من طاقة معرفية وعاطفية.
ولعلّ المفارقة الأكثر إثارةً للتأمل أن المنشأ الأول للحب يبدو، من الناحية البايولوجية، بسيطًا للغاية. فهو يرتبط بمنظومات هرمونية وعصبية معروفة نسبيًا، تشمل الدوبامين والأوكسيتوسين والفازوبرسين وسواها من المركبات الكيميائية التي تؤدي أدوارًا محددة في الانجذاب والتعلق والتقارب بين الأفراد. ومن حيث الأصل الوظيفي، لا يبدو الأمر مختلفًا كثيرًا عن آليات أخرى طورتها الطبيعة لضمان استمرار النوع وتنظيم العلاقات التناسلية بين أفراده. غير أن ما يحدث في عالم الإنسان يختلف جذريًا عما يحدث في أي عالم بايولوجي آخر. فالإنسان لم يكتفِ بالاستجابة للمنبهات الهرمونية كما هي، بل أحاطها بطبقات هائلة من التمثّلات والرموز والتوقعات والتأويلات والأحلام والمخاوف والهواجس. وهكذا تحولت استجابة بايولوجية محدودة إلى بناء نفسي وثقافي معقد يكاد يستعصي على الفهم.
ولعلّ ما يكشف عن ذلك بوضوح أن تاريخ الحب هو في جانب كبير منه تاريخ للمعاناة أكثر منه تاريخ للنجاح. فمنذ أقدم النصوص السومرية والمصرية واليونانية القديمة، مرورًا بالشعر العربي القديم والآداب الفارسية والهندية والصينية والأوروبية، ووصولًا إلى الرواية والسينما الحديثة، تكاد الصورة تتكرر بلا انقطاع: عاشقان يتألمان، ينتظران، يخافان، يشتاقان، يغيران، يراقبان، يتوهمان، يتصارعان مع احتمالات الفقد والهجر والخيانة وسوء الفهم. ولو كانت المشكلة كامنة في الظروف الخارجية وحدها لكان من المتوقع أن يؤدي تطور المجتمعات إلى تخفيف هذه المعاناة. لكن المدهش أن العذاب بقي هو نفسه تقريبًا رغم تغير الأزمنة واللغات والثقافات والأنظمة الاجتماعية. فما كان يؤلم عاشقًا قبل أربعة آلاف سنة لا يزال قادرًا على إيلام عاشق معاصر يمتلك من وسائل التواصل والمعرفة ما لم يكن ليخطر على بال أسلافه. وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية: كيف يمكن لظاهرة يُفترض أنها تخدم غاية بايولوجية محددة أن تبقى مصدرًا لهذا القدر الهائل من الاضطراب والتعاسة عبر آلاف السنين؟
إن أحد التفسيرات الممكنة يتمثل في أن الحب الإنساني لم يعد مجرد ظاهرة هرمونية. فما إن تبدأ الإشارات البايولوجية الأولية حتى يتدخل فائض التمثّل ليحوّلها إلى عالم كامل من الإسقاطات النفسية والرمزية. فالمحب لا يحب الشخص الآخر كما هو فحسب، بل يحب الصورة التي رسمها له، والاحتمالات التي يتوقعها منه، والمستقبل الذي يتخيله معه، والذكريات التي ينسجها حوله، والمكانة الرمزية التي يمنحه إياها داخل عالمه النفسي. وهكذا يصبح العاشق في كثير من الأحيان متعلقًا بتمثّلاته الخاصة أكثر من تعلقه بالشخص الحقيقي الموجود أمامه.
ومن هنا تبدأ دوامة التعقيد. فكل كلمة تصبح قابلة لعشرات التأويلات، وكل تصرف يتحول إلى لغز، وكل تأخير في الرد يثير سلسلة من الفرضيات، وكل تغير بسيط في السلوك يطلق عاصفة من الشكوك والتوقعات. وتبدأ المنظومة الذهنية بإنتاج عدد لا نهائي من السيناريوهات التي قد لا يكون لأي منها وجود في الواقع، وفي هذه اللحظة يغادر الحب منطق الطبيعة ويدخل منطق “التمثّل البشري”. فالطبيعة لا تحتاج إلى هذا الكم من التأويلات، أما الإنسان فيكاد يعجز عن ممارسة أي علاقة عاطفية من دون أن يغمرها بسيل من المعاني والإشارات والتوقعات والظنون المتضاربة.
ولعلّ هذا ما يفسر سبب استمرار معاناة الحب عبر التاريخ. فالبشرية لم تكن عاجزة عن فهم الهرمونات أو الانفعالات الأولية بقدر ما كانت عاجزة عن السيطرة على فائض التمثّل الذي يلتف حولها ويعيد تشكيلها بصورة مستمرة. إن المأساة الحقيقية للحب الإنساني لا تكمن في قوته الهرمونية، بل في التضخم التمثّلي الذي يرافقه. فالعاشق لا يعاني غالبًا مما يحدث فعلاً، بل مما يتخيله أنه قد يحدث، أو مما يخشاه أن يحدث، أو مما يتذكر أنه حدث، أو مما يتمنى لو حدث.
وهكذا يصبح الحب أحد أكثر الأمثلة وضوحًا على الثمن الذي دفعه الإنسان مقابل خروجه من اقتصاد الطبيعة. فمن خلاله يمكن أن نرى كيف تتحول آلية بايولوجية محدودة إلى متاهة لا تنتهي من التوقعات والرموز والتأويلات والصراعات الداخلية.
ولعلّ هذا هو السبب في أن الحب ظل، طوال التاريخ الإنساني، مشكلة بلا حل نهائي. فالمشكلة ليست في الهرمونات التي تطلق الشرارة الأولى، بل في فائض التمثّل الذي لا يكف عن تغذية النار بعد اشتعالها. ومن هنا فإن الحب، أكثر من أي ظاهرة إنسانية أخرى، يكشف حجم المسافة التي ابتعد بها الإنسان عن بساطة الطبيعة، وعمق التيه الذي أدخله إليه عالم التمثّلات الذي صنعه بنفسه.

أضف تعليق