
ينطلق روبرت رايت (Robert Wright) في أطروحته “The Evolution of God” من فرضية تفتقر الى المنطق تسعى لإخضاع الظاهرة الإلهية لصرامة الحتمية التطورية. فالكتاب لا يتعامل مع مفهوم “الإله” بوصفه حقيقة موضوعية مفارِقة، وإنما يعالجه كبنية معرفية وثقافية خاضعة لآليات النشوء والارتقاء المستعارة من حقل البايولوجيا التطورية (Evolutionary Biology). يقتفي رايت أثر هذا المفهوم عبر مسار خطي صاعد يبدأ من النماذج الأرواحية والقبلية البسيطة، وينتهي ببدائل التوحيد التجريدي المعقدة. غير أن هذا الإسقاط التعسفي لآليات الانتخاب الطبيعي على الفكر الميتافيزيقي يوقع الأطروحة في شراك “الأنسنة” (Anthropomorphism) والاختزال المعرفي، مما يحيل الظاهرة الدينية الفائقة التعقيد إلى مجرد عرض جانبي (Epigenetic) للتكيف البشري.
وتتجلى ذروة الإسقاط البايولوجي عند رايت في محاولته الضمنية لخلق معادل موضوعي لثنائية النمط الجيني (Genotype) والنمط الظاهري (Phenotype) داخل الحقل الديني. ففي البايولوجيا، يمثل النمط الجيني الشفرة الوراثية الكامنة والمستمرة، بينما يمثل النمط الظاهري الخصائص التشريحية والسلوكية المرئية التي تتشكل استجابة لضغوط البيئة. ففي المقاربة التطورية لرايت، تحل “البنية السيكولوجية النفعية للإنسان” و”قوانين نظرية الألعاب” (Game Theory) كمكافئ وظيفي للنمط الجيني (Genotype)؛ فهي الشفرة الثابتة المحركة للتاريخ البشري والمتمثلة في السعي وراء البقاء وتحقيق التعاون عبر العلاقات “غير صفرية المجموع” (Non-zero-sum dynamics) . وبناءً على ذلك، يصبح مفهوم “الإله” وصوره المتبدلة عبر العصور بمثابة النمط الظاهري (Phenotype)؛ أي التجلي السلوكي والثقافي الخارجي الذي يفرزه الإنسان ويتلاعب بمحدداته كأداة تكيّفية لضمان تماسك الجماعة وتبرير التحالفات السياسية والاقتصادية.
وهذا “التناظر المفتعل” يعاني من تهافت منهجي؛ إذ يفترض رايت أن الأفكار الميتافيزيقية تمتلك نفس الخصائص المادية للجينات من حيث قابليتها للتوريث العشوائي والانتخاب البيئي، متغافلاً عن أن الوعي البشري بالمتعالي لا يتحرك وفق حتمية عمياء كالحتمية الجينية، بل يتأثر بأبعاد غائية وقيمية تتجاوز منطق البقاء البايولوجي الصرف.
يمثل كتاب (The Evolution of God) نموذجاً أكاديمياً صارخاً لـ “المركزية البشرية” (Anthropocentrism) في تعامل العقل المادي مع الآخر المختلف، لاسيما عندما يكون هذا الآخر هو الإله. لقد سقط رايت في فخ صياغة الإله على صورة عقله الأدواتي؛ فبدلاً من فهم الدين كمحاولة بشرية للانفتاح على المتعالي، جعل من الإله انعكاساً لعجز الإنسان وحاجاته الاقتصادية والسياسية.
إن “إله” رايت لا يتطور بذاته، بل يُعاد اختراعه دورياً في مطبخ المصالح البشرية. فهذه الأنسنة الراديكالية تعيد إنتاج الأطروحات التي سبق وان طرحها الفيلسوف النمساوي لودفيغ فويرباخ، ولكن بعباءة داروينية حديثة، حيث لا يرى الباحث في السماء سوى صورة مرآوية مكبرة للصراعات الأرضية حول الموارد والنفوذ.
تقع الأطروحة في أسر الاختزالية التبسيطية (Reductionism)؛ وهي إشكالية معرفية شائعة في العلوم الإنسانية، وذلك عندما تحاول محاكاة العلوم الطبيعية. ويرتكب الكاتب خلطاً إبستمولوجياً فادحاً بين “تطور أدوات الإدراك البشري” و”ماهية الحقيقة المدرَكة”. فإذا كان الوعي الإنساني بالكون والفيزياء يتدرج من البسيط إلى المعقد عبر التاريخ، فإن هذا التدرج المعرفي لا يعود بالتغيير على القوانين الموضوعية للكون ذاته.
والخطيئة المنهجية الأكبر هنا هي “العمى المتعمد” عن احتمالية أن يكون لظاهرة التدين وجود متعالٍ ومفارق للشرط الإنساني البايولوجي. كان يجدر ببحث يرتدي مسوح الرصانة الأكاديمية أن يطرح فرضية بديلة؛ وهي أن التدرج التاريخي للأديان قد لا يكون نتاج انتخَاب ثقافي أعمى، بل قد يمثل “تدرجاً في الوحي والوعي” (Progressive Revelation)؛ أي تجلياً تدريجياً لحقيقة متعالية تخاطب العقل البشري وتتكامل معه وفقاً لسياقات نضجه التاريخي والحضاري. وإقصاء هذا الاحتمال ابتداءً يجرد العمل من حياده العلمي ويحوله إلى “مانيفستو إيديولوجي” ينتمي إلى الداروينية الثقافية الدوغمائية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن المنهج البايولوجي التطوري، وفي صبغته التي لونتها الداروينية الثقافية، يطغى على كامل الأطروحة التي يقدمها كتاب (The Evolution of God)؛ فمحاولة روبرت رايت لاحتواء اللامتناهي وتأطيره داخل جدران المختبر البايولوجي قادت إلى نتاج معرفي باهت. فإذا كان الكاتب قد نجح في تفسير “تطور النفعية السياسية والاجتماعية للإنسان”، فإنه قد فشل تماماً في ملامسة جوهر التجربة الدينية والوعي التديني. إن كتاب “The Evolution of God” يقدم دليلاً إضافياً على مأزق العقلانية المادية الحديثة؛ وهي العقلانية التي كلما عجزت عن استيعاب المتعالي والتسامي فوق شرطها البايولوجي، عمدت إلى تقزيمه وتفكيكه ليناسب مقاسات أدواتها المخبرية والتشريحية.
كما وينبغي التنويه إلى أن مؤلف كتاب (The Evolution of God) قد فاته أن يدرك أنه، وفي البايولوجيا التطورية، فإن النمط الجيني (Genotype) يمثل الشفرة الوراثية الكامنة وغير المرئية، بينما يمثل النمط الظاهري (Phenotype) التجلي المادي والجسدي والسلوكي لتلك الشفرة في بيئة معينة. فالمؤلف حاول إسقاط هذا الثنائية على الدين؛ حيث أنه اعتبر أن هناك “شفرة سلوكية/نفسية كامنة” لدى البشر هي بمثابة Genotype متمثل في المصالح الذاتية ونظرية الألعاب، وأن الأديان والآلهة وصورها المتغيرة عبر التاريخ ليست سوى “النمط الظاهري” (Phenotype) الذي يتشكل ويتغير لخدمة تلك الشفرة الكامنة. وهذا افتراض غير منطقي وغير جائز في سياق حديث يُفترض به أن يكون ملتزماً بنهج فلسفي عقلاني ومراعياً في الوقت ذاته لما يمليه المنهج العلمي الصارم من وجوب النأي عن إقحام ما لا يقوم عليه دليل او برهان في هذا السياق. وبذلك فإن النتائج التي أرادنا مؤلف هذا الكتاب أن نشاركه الاعتقاد بأنها ملزِمة بأن يأخذ بها العقل ويتبناها المنطق، هي في حقيقتها خلاف ذلك بكل تأكيد.
