
من أكثر الانفعالات الإنسانية إثارةً للحيرة تلك القدرة العجيبة التي يمتلكها الإنسان على الكراهية. فالكراهية ليست مجرد غضب عابر، ولا مجرد استجابة مؤقتة لخطر مباشر، بل قد تتحول إلى حالة مزمنة تلازم صاحبها سنوات طويلة، وربما عقودًا كاملة، مستهلكةً في طريقها كميات هائلة من الطاقة النفسية والعصبية والعاطفية، دون أن تحقق في كثير من الأحيان أي منفعة عملية ملموسة. وهنا يبرز سؤال بالغ الدلالة: لماذا توجد الكراهية أصلًا بهذه الصورة التي نعرفها عند الإنسان، بينما لا نجد لها نظيرًا حقيقيًا في عالم الحيوان؟ فالحيوان يقاتل، بلا شك. وقد يهاجم منافسًا أو يدافع عن مجاله الحيوي أو عن صغاره أو عن موارده الغذائية. غير أن هذا السلوك، مهما بدا عنيفًا، فإنه يبقى محكومًا بمنطق الطبيعة واقتصادها الصارم. فالصراع يبدأ عند وجود سبب مباشر وينتهي غالبًا بزوال ذلك السبب. وما إن ينتهي التهديد حتى يعود الحيوان إلى نشاطه المعتاد دون أن يحمل معه سجلًا طويلًا من الأحقاد أو الضغائن أو الرغبة في الانتقام المؤجل. أما الإنسان فقد أصبح الكائن الوحيد القادر على تحويل حدث عابر إلى مشروع كراهية يمتد سنوات أو أجيالًا أو حتى قرونًا. فالإنسان هو الكائن البايولوجي الوحيد الذي يستطيع أن يورّث الأحقاد لأبنائه وأحفاده. وأن يحفظ المظالم في الذاكرة الجمعية لمئات السنين. وأن يستنزف نفسه نفسيًا وجسديًا في صراع مع صورة ذهنية لخصم قد لا يكون حاضرًا أصلًا. وهنا تظهر أولى علامات القطيعة مع اقتصاد الطبيعة. ففي المنطق البايولوجي الصرف لا معنى لاستمرار استنزاف الطاقة بعد زوال الخطر. بل إن الانتخاب الطبيعي يفترض، من حيث المبدأ، التخلص من كل آلية مكلفة لا تحقق منفعة واضحة. أما الكراهية الإنسانية فغالبًا ما تعمل بعكس هذا المنطق تمامًا.
فالإنسان قد يكره شخصًا لسنوات دون أن يجني من ذلك أي مكسب تكيفي. وقد يعجز عن النوم بسبب خصومة قديمة. وقد يستهلك صحته النفسية والجسدية في إعادة استحضار الإهانات الماضية. وقد يدخل في دوامة من الانتقام المتبادل تنتهي بإلحاق الضرر بنفسه بقدر ما تلحقه بخصمه. فالكراهية ظاهرة يصعب تفسيرها إذا تعاملنا مع الإنسان بوصفه مجرد كائن محكوم بمنطق الاقتصاد الحيوي ذاته الذي يحكم بقية الكائنات البايولوجية. ومن هنا يمكن النظر إلى الكراهية بوصفها واحدة من تجليات “فائض التمثّل”.
فالإنسان لا يكره الواقع فقط، بل يكره تمثّلاته عن الواقع. فهو لا يتفاعل مع الحدث كما وقع فحسب، بل مع تفسيره للحدث، ومع تأويله له، ومع الصورة التي بناها عنه داخل ذهنه، بل كثيرًا ما تتحول الكراهية إلى علاقة مع “فكرة” أكثر من كونها علاقة مع شخص حقيق، ولهذا السبب تستطيع الكراهية البشرية أن تستمر حتى بعد موت الطرف المكروه وتستطيع أن تنتقل عبر الأجيال وأن تتضخم مع الزمن بدل أن تخفت وأن تتحول إلى جزء من الهوية الشخصية أو الجماعية. وهذه كلها خصائص يصعب العثور على ما يماثلها في السلوك الحيواني. فالحيوان يتعامل مع الخطر المباشر، أما الإنسان فيتعامل مع تمثّلات الخطر. والفرق بين الأمرين هائل. فالخطر الحقيقي محدود بحدود وجوده الواقعي. أما التمثّل فيستطيع أن يستمر بلا نهاية تقريبًا، بل إنه يستطيع أن يزداد قوة كلما أعيد استحضاره داخل الذاكرة.
ومن هنا تصبح الكراهية حالة قائمة بذاتها، منفصلة عن السبب الذي أدى إليها أصلًا، بل إن التاريخ البشري بأسره يقدم أمثلة لا تحصى على هذه الظاهرة. فالحروب الدينية، والصراعات المذهبية، والنزاعات القومية، والثارات التاريخية، والانقسامات الأيديولوجية الكبرى، كلها تكشف قدرة الإنسان الفريدة على تحويل الاختلافات الرمزية إلى مصادر دائمة للعداء. إن كثيرًا من هذه الصراعات لا يتعلق بموارد أو أخطار مباشرة، بل بصور ذهنية عن الهوية والحقيقة والتاريخ والعدالة والانتماء. وهنا تبلغ الكراهية ذروتها بوصفها ظاهرة تمثّلية. فكلما ازداد انخراط الإنسان في عالم الرموز، ازداد احتمال أن يكره باسم الرموز.
وكلما تضخمت تمثّلاته عن ذاته وعن الآخرين، ازداد احتمال تحوّل هذه التمثّلات إلى وقود للصراع.
ولعلّ هذا ما يجعل الكراهية إحدى أكثر الظواهر إحراجًا للنموذج القائل بالاستمرارية التطورية السلسة.
فلو كانت المسألة مجرد زيادة كمية في الذكاء، لكان المتوقع أن يؤدي هذا الذكاء إلى ترشيد السلوك وتقليل الهدر. أما ما حدث فعليًا فهو أن الإنسان أصبح قادرًا على إنتاج أنماط من العداء لا تعرفها الطبيعة أصلًا. فلقد أصبح الانسان قادرًا على أن يكره بسبب الماضي، وبسبب المستقبل، وبسبب فكرة، وبسبب رمز، وبسبب تأويل، وبسبب تصور مجرد للواقع.
أي أنه أصبح قادرًا على الكراهية خارج شروط الطبيعة المباشرة. ومن هنا يمكن فهم الكراهية بوصفها جزءًا من الثمن الذي دفعه الإنسان مقابل خروجه من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل. فكما أن القلق الوجودي يمثل الوجه النفسي لهذا الخروج، فإن الكراهية تمثل أحد وجوهه الاجتماعية والتاريخية. فهي التعبير عن عجز الإنسان عن الاكتفاء بالواقع كما هو، وإصراره الدائم على العيش داخل تمثّلاته عنه.
ولهذا السبب لا تقتصر الكراهية على الأفراد، بل تمتد إلى الجماعات والأمم والأديان والأيديولوجيات. فالكراهية ليست مجرد انفعال، بل نظام تمثّلي كامل.
ومن هنا تكتسب السردية القرآنية عن آدم والشجرة دلالة إضافية. فإذا كانت الشجرة ترمز إلى لحظة الانفجار التمثّلي الكبرى، فإن الكراهية يمكن النظر إليها بوصفها إحدى نتائج ذلك الانفجار. فالإنسان الذي أصبح قادرًا على تمثل ذاته والعالم والآخرين تمثلًا معقدًا، أصبح في الوقت نفسه قادرًا على تحويل هذه التمثّلات إلى مصادر لا تنضب للصراع والعداء.
وهكذا فإن السؤال الحقيقي لا يعود: لماذا يكره الإنسان؟ بل يصبح: ما الذي حدث حتى أصبح الإنسان الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يكره أكثر مما تتطلبه الطبيعة، وأن يستمر في كراهيته حتى بعد أن تزول أسبابها؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تكشف جانبًا آخر من تلك القطيعة الكبرى التي فصلت الإنسان عن عالم الحيوان، وجعلته يعيش داخل عالم التمثّلات أكثر مما يعيش داخل العالم نفسه.
