مأزق إسقاط النموذج التطوري على المطلق… كتاب “The Evolution of God”مثالاً

يُعد كتاب The Evolution of God من أكثر الكتب إثارةً للاهتمام في ميدان دراسة الدين وتاريخه. فالمؤلف لا يكتفي بتتبع التحولات التي طرأت على التصورات الدينية عبر التاريخ، بل يختار عنوانًا يحمل في ذاته حمولة فلسفية وإبستمولوجية هائلة؛ إذ يتحدث عن “تطور الإله” بالصيغة ذاتها التي اعتاد الفكر المعاصر أن يتحدث بها عن تطور الكائنات الحية. وهنا تكمن الإشكالية المعرفية الأساسية التي تستحق وقفة نقدية متأنية. فمصطلح “التطور” ليس مجرد كلمة محايدة؛ إذ أنه مصطلح نشأ داخل سياق معرفي محدد، واكتسب معناه الأشهر من النظرية الداروينية وما تفرع عنها من مقاربات بايولوجية تنظر إلى التعقيد بوصفه نتيجةً لتراكمات طويلة بدأت من أشكال أبسط وانتهت إلى أشكال أكثر تركيبًا. ولذلك فإن استخدام المصطلح ذاته عند الحديث عن الإله لا يمكن أن يكون خاليًا من الدلالات؛ إذ أنه يوحي، شاء المؤلف أم أبى، بأن مفهوم الإله قد خضع لمنطق مشابه لذلك الذي أنتج الإنسان نفسه.
ومن هنا تبدأ المشكلة. فالكتاب يفترض ضمنيًا أن صورة الإله قد نشأت في وعي الإنسان بصورة بسيطة ثم أخذت تتطور تدريجيًا مع تطور المجتمعات والثقافات والاقتصادات والعلاقات السياسية، حتى وصلت إلى التصورات الأكثر تعقيدًا التي نعرفها عند أتباع الأديان الكبرى. وبذلك يصبح الإله، ليس بوصفه وجودًا مستقلًا، بل بوصفه مفهومًا إنسانيًا، نتاجًا لمسار تاريخي متدرج يخضع لقوانين التطور الثقافي والاجتماعي.
وقد يبدو هذا الطرح للوهلة الأولى مقنعًا، غير أنه يخفي افتراضًا ميتافيزيقيًا بالغ الخطورة؛ إذ أنه لا يكتفي بوصف ما حدث للتصورات البشرية عن الإله، بل يتصرف كما لو أن هذه التصورات هي كل ما يمكن قوله عن الإله أصلًا. وهنا يقع الكتاب في واحدة من أقدم المغالطات الأنثروبومورفية في تاريخ الفكر الإنساني. فالأنثروبومورفية لا تقتصر على تخيل الإله على هيئة إنسان ذي يدين وعينين ومشاعر بشرية. بل يمكن أن تتخذ شكلًا أكثر خفاءً يتمثل في إخضاع مفهوم الإله للمنطق المعرفي الإنساني نفسه. أي افتراض أن ما ينطبق على الأفكار البشرية يجب أن ينطبق بالضرورة على موضوع هذه الأفكار أيضًا.
إن أقصى ما يستطيع المؤرخ أو عالم الاجتماع أو عالم النفس الديني أن يبرهن عليه هو أن تصورات البشر عن الإله قد تغيرت عبر الزمن. أما الانتقال من هذه الحقيقة إلى القول بأن الإله نفسه قد “تطور” فهو قفزة معرفية لا يسندها أي برهان.
فالفرق شاسع بين تطور الخريطة وتطور الإقليم الذي تمثله الخريطة. فقد تتغير خرائط العالم آلاف المرات نتيجة ازدياد المعرفة البشرية، لكن هذا لا يعني أن القارات نفسها كانت تتغير كلما رسم الجغرافيون خرائط جديدة لها. وكذلك الأمر في المجال الديني؛ إذ أن تغير تصورات البشر عن الإله لا يقتضي منطقيًا تغير الإله ذاته. فالمفارقة الابستمولوجية هنا تكمن في كون الكتاب، رغم انتقاده للصور البدائية عن الإله، يقع هو نفسه في صورة بدائية أخرى، لكنها صورة حديثة هذه المرة. فبدل أن يسقط الإنسان صفاته الجسدية على الإله كما فعلت بعض الثقافات القديمة، أصبح يسقط عليه نموذجه التفسيري المفضل: التطور.
وهكذا يتحول التطور من نظرية علمية تفسر جانبًا من الظواهر البايولوجية إلى عدسة شاملة يراد من خلالها تفسير كل شيء؛ الأخلاق والدين والوعي والفن، بل وحتى الإله نفسه. غير أن اتساع قدرة نموذج تفسيري ما لا يمنحه تلقائيًا صلاحية شاملة. فالتاريخ الفكري للبشرية مليء بنماذج تفسيرية نجحت نجاحًا كبيرًا في مجال معين ثم جرى تعميمها خارج حدودها المشروعة. وقد كان هذا التعميم سببًا في كثير من الأخطاء المعرفية الكبرى.
والآن، إذا كان من المشروع دراسة تطور الأفكار الدينية، فإن من غير المشروع القفز من دراسة الأفكار إلى إصدار أحكام على مسألة معرفية موضوعها المتعالي، بل إن المنهج العلمي نفسه يقتضي قدرًا أكبر من التواضع المعرفي. فحين يكون موضوع البحث متجاوزًا بطبيعته لشروط الملاحظة والتجربة المباشرة، يصبح من الواجب التمييز بين ما نعرفه بالفعل وما نفترضه دون دليل.
وكان الأجدر بالكتاب أن يضع في حسبانه احتمالًا ثالثًا غابَ عن كامل بنيته النظرية؛ وهذا الاحتمال لا يقول إن التصورات الدينية ثابتة، ولا يقول في المقابل إن الإله نتاج لهذه التصورات، بل يفترض أن هناك وجودًا متعاليًا ومستقلًا عن الإنسان، وأن ما يتطور عبر التاريخ هو ليس هذا الوجود ذاته، بل قدرة الإنسان المحدودة على إدراكه وتمثله وصياغة أفكاره عنه.
وعندئذ يصبح تاريخ الأديان أقرب إلى تاريخ محاولات الاقتراب من المطلق، وليس تاريخ نشوء المطلق نفسه. فكما أن تطور الفيزياء لا يعني تطور قوانين الطبيعة، فإن تطور الفكر التديني لا يعني على الاطلاق تطور الإله المتعال بحكم التعريف.
ومن هنا يمكن القول إن القيمة الحقيقية لكتاب The Evolution of God لا تكمن فيما أراد إثباته، بل فيما أخفق في التفكير فيه. فقد تعامل مع الإله بوصفه امتدادًا للإنسان، بينما كان من الممكن أن يكون الإنسان نفسه هو الذي يحاول، عبر مسيرة تاريخية طويلة ومتعثرة، الاقتراب من حقيقة تتجاوز حدوده الإدراكية. وهكذا يتحول السؤال من: “كيف تطور الإله؟” إلى سؤال أكثر اتساقًا مع التواضع المعرفي: “كيف تطورت تصورات الإنسان عن الإله؟” والفرق بين السؤالين ليس فرقًا لغويًا فحسب، بل هو فرق يفصل بين دراسة الوعي البشري وبين الادعاء بالإحاطة بما هو متعالٍ ومستعصٍ بالنتيجة على هذا الوعي استعصاءً لا سبيل لقهره.

أضف تعليق