
إذا كانت الطبيعة قد صاغت الكائنات الحية وفق اقتصاد صارم للطاقة والسلوك، بحيث لا يُسمح باستهلاك الجهد إلا في الحدود التي تخدم البقاء والتناسل والتكيف مع البيئة، فإن الإنسان يبدو، من هذه الزاوية تحديدًا، وكأنه الكائن الوحيد الذي تمرد على هذا الاقتصاد الطبيعي تمردًا شبه كامل. ولعل من أكثر مظاهر هذا التمرد إثارةً للتأمل ذلك الولع الإنساني العجيب بكل ما ينتمي إلى عالم الخيال. فالإنسان لا يكتفي بالتعامل مع الواقع الذي يحيط به، ولا ينشغل فقط بالمشكلات والتحديات التي تفرضها عليه بيئته الطبيعية، بل يقتطع من عمره المحدود ومن طاقته الذهنية والنفسية الهائلة جزءًا ضخماً ليكرسه لعوالم لا وجود لها أصلاً. فواحدنا يبكي على مصير شخصيات لم تعش قط، ويغضب لأحداث لم تقع، ويتعلق بأبطال لم يولدوا، ويقضي ساعات طويلة يتابع قصصاً يعلم يقيناً أنها مختلقة بالكامل. فمنذ طفولة الانسان المبكرة، يبدأ هذا الشغفُ الغريب بالظهور. فالطفل لا ينجذب إلى الحكايات الواقعية بقدر انجذابه إلى القصص التي تتحدث عن التنانين والعمالقة والكائنات السحرية والأبطال الذين يطيرون في السماء. بل إننا نلاحظ مفارقة تستحق الوقوف عندها ملياً؛ فكلما ازدادت الحكاية ابتعاداً عن الواقع ازدادت قدرتها على أسر المخيلة واستقطاب الجمهور.
والأمر ذاته لا يقتصر على الأطفال. فالبالغون الذين يفترض أنهم أكثر التصاقاً بالواقع لا يقلون ولعاً بهذه العوالم المتخيلة. بل إن أكبر الصناعات الثقافية والاقتصادية في العالم الحديث تقوم على إنتاج الخيال وتسويقه. فالروايات الأكثر انتشاراً، والأفلام الأعلى إيراداً، والألعاب الأكثر شعبية، والمسلسلات الأكثر مشاهدة، تكاد جميعها تنتمي إلى عوالم لا وجود لها في الواقع. ومن اللافت للنظر أن النجاح الجماهيري لهذه الأعمال لا يرتبط عادةً بمدى اقترابها من الواقع، بل كثيراً ما يرتبط بالعكس تماماً. فكلما ازدادت القصة امعاناً في خرق قوانين الواقع والطبيعة ازداد جمهورها اتساعاً وتنوعاً. وكأن الإنسان لا يبحث في هذه الأعمال عن الواقع، بل عن التحرر منه.
وقد يقال إن هذا كله نتاج الحضارة الحديثة ووسائل الإعلام المعاصرة. غير أن العودة إلى التاريخ تكشف لنا أن هذه الظاهرة أقدم بكثير من أي حضارة معاصرة. فالإنسان القديم لم يكن أقل انشغالاً بالخيال من الإنسان الحديث. وما الميثولوجيات الكبرى التي خلفتها الحضارات القديمة إلا شاهد على ذلك. فإذا تأملنا الأساطير الإغريقية، والملاحم السومرية، والحكايات المصرية القديمة، والأساطير الإسكندنافية، وغيرها من تراث الشعوب، وجدنا أنها تكاد تكون عوالم خيالية متكاملة الأركان. آلهة تتصارع، ومخلوقات عجيبة، وأبطال يتحدون الموت، وأحداث تتجاوز كل ما تسمح به قوانين الواقع.
بل لعل من الممكن إعادة قراءة جزء كبير من التاريخ الأسطوري للإنسانية بوصفه تعبيراً عن هذه النزعة العميقة إلى تشييد عوالم موازية للواقع. فالميثولوجيا لم تكن مجرد محاولة لتفسير الطبيعة، بل كانت أيضاً استجابة لذلك الميل الإنساني الجارف إلى ملء الوجود بقصص تتجاوز حدود الخبرة المباشرة.
وهنا تبرز الإشكالية التي لم تنل ما تستحقه من الاهتمام. فما الجدوى التطورية المباشرة من هذا السلوك؟ فالنظرية التطورية قادرة على تفسير كثير من السلوكيات التي ترتبط بالبقاء أو التكيف أو التناسل. لكنها تواجه صعوبة متزايدة كلما حاولت تفسير ذلك الحجم الهائل من الوقت والطاقة الذي يستهلكه الإنسان في متابعة أمور يعلم مسبقاً أنها غير حقيقية.
فالحيوان لا يروي القصص عن أبطال خارقين. ولا يقضي أمسياته متخيلاً عوالم بديلة. ولا ينشئ ملاحم حول مخلوقات أسطورية. ولا يستهلك جزءاً معتبراً من حياته النفسية في متابعة أحداث يعلم أنها لم تقع ولن تقع. فالحيوان قد يحلم، وقد يتذكر، وقد يتوقع، لكنه يظل أسير الواقع الذي يفرضه عليه وجوده البايولوجي. أما الإنسان فقد أصبح، بكيفية يصعب العثور لها على نظير في الطبيعة، كائناً يعيش جزءاً كبيراً من حياته داخل عوالم لا وجود لها خارج ذهنه.
ومن هنا تبدو ظاهرة الخيال أبعد من أن تكون مجرد ترف ثقافي أو أثر جانبي للحضارة؛ حيث أنها تكشف عن تحول جذري في طبيعة الكائن الإنساني نفسه.
فالإنسان لا يتميز عن الحيوان بامتلاكه لغة أكثر تعقيداً أو دماغاً أكبر حجماً فحسب، بل يتميز قبل ذلك بقدرته غير المسبوقة على إنتاج التمثلات والانغماس فيها حتى تغدو تمثل له جزءاً من الواقع نفسه.
ولعل هذا ما يجعل مفهوم “فائض التمثل” أكثر قدرة على تفسير هذه الظاهرة من أي مقاربة تختزل الإنسان في امتداد طبيعي متصل لسلفه الحيواني. فحين تجاوز الإنسان حدود التمثل الضروري لفهم الواقع، وامتلك القدرة على بناء تمثلات مستقلة عنه، نشأت الأسطورة والفن والرواية والخيال العلمي واليوتوبيا والكوابيس الجماعية وسائر العوالم الرمزية التي أصبحت لاحقاً جزءاً من الوجود الإنساني ذاته.
إن السؤال الحقيقي ليس لماذا يبتكر الإنسان الخيال، بل لماذا أصبح محتاجاً إليه إلى هذا الحد؟
ولعل الإجابة الأكثر إثارة للتأمل هي أن الإنسان لم يعد يعيش في الواقع وحده. فمنذ تلك الانعطافة التطورية الكبرى التي جعلته كائناً غارقاً في التمثلات، أصبح يعيش في عالمين متوازيين في آن واحد: عالم الوقائع، وعالم الإمكانات المتخيلة. وإذا كانت الكائنات الأخرى تقضي حياتها كلها تقريباً داخل العالم الأول، فإن الإنسان يبدو الكائن الوحيد الذي استطاع أن يجعل العالم الثاني موطناً دائماً له.
ولهذا يصعب النظر إلى ولع الإنسان المرضي بالخيال بوصفه مجرد امتداد طبيعي لسلوك حيواني سابق. فالهوة التي تفصل بين كائن يقضي حياته في التعامل مع الواقع، وكائن آخر يقضي جزءاً ضخماً من حياته في عوالم يعلم أنها غير موجودة، هي هوة أعمق بكثير مما تسمح به فكرة التطور المتدرج البسيط، حيث أنها تشير إلى أن الظاهرة الإنسانية قد دخلت طوراً جديداً من الوجود لم تعد مفاهيم الطبيعة التقليدية كافية لتفسيره.فالكائن الذي يستطيع أن يهجر الواقع بإرادته، وأن يبني لنفسه أوطاناً كاملة من الخيال، ثم يعود منها ليواصل حياته اليومية، يبدو أقرب إلى ظاهرة فريدة في تاريخ الحياة منه إلى مجرد حيوان هو أكثر ذكاءً من غيره.
