الأنوار الظليلة… الغجر والجزائر في مرآة “العالمية الفرنسية” الإقصائية

لطالما تغنت الجمهورية الفرنسية بقيمها الثلاثية: “الحرية، المساواة، الإخاء”، مصدّرة للعالم بياناً فلسفياً يزعم شمولية الإنسان وعالمية الحقوق. غير أن القراءة العميقة للتاريخ الإداري والسياسي الفرنسي، ومواقف الفلاسفة الذين هندسوا هذه الذهنية، تكشف عن فجوة سحيقة وعيب بنيوي في مفهوم “العالمية الفرنسية” (L’universalisme républicain). إنها عالمية مشروطة وذات حدين: إما الذوبان التام والتخلي عن الخصوصية، أو الإقصاء والسحق ومن ثم الانمحاق والتلاشي فالزوال. ويتجلى هذا العيب في مرآتين متوازيتين: مرآة الداخل حيث اضطهاد “الغجر” (الروما والسينتي)، ومرآة الخارج حيث العنف الكولونيالي الاستعماري، وفي مقدمته المأساة الجزائرية.
فالتناقض بين التنظير والممارسة لم يكن وليد المصادفة، بل نبتت جذوره في تربة “عصر الأنوار” نفسه. فرغم الصياغات البلاغية البديعة لفلاسفة القرن الثامن عشر حول الحرية، إلا أن كتاباتهم سقطت في فخ “المركزية الأوروبية المستنيرة” التي استبعدت الآخر غير المتوافق مع معاييرها “العقلانية”.
ففي فلسفة جان جاك روسو، على سبيل المثال، يبدأ العقد الاجتماعي والاستقرار الأخلاقي من نقطة “الملكية واستقرار الإنسان في الأرض”. فوفقاً للذهنية الفلسفية والسياسية الفرنسية، فإن “الترحال” الذي يجسده الغجر هو نمط “بدائي” خارج عن العقد الاجتماعي، وخروج عن نظام الدولة المعتمد على العنوان الثابت والملكية والرقابة البيروقراطية. ومن هنا، عُرّف الغجر في “الموسوعة الفرنسية” لديدرو ودالمبير بأنهم “متشردون يمارسون الخداع”، ليتحول هذا التنميط الفلسفي لاحقاً، مع صعود الجمهورية الثالثة والنزعة الوضعية، إلى ترسانة من القوانين الاستثنائية (مثل قانون البطاقة الأنثروبومترية عام 1912)، والتي “شرعنت” عزلهم واضطهادهم، وصولاً إلى اعتقالهم في المعسكرات إبان الحرب العالمية الثانية وتأخر الإفراج عنهم حتى عام 1946.
وهذا المنطق الإقصائي الداخلي تجاه الغجر هو نفسه الذي غذا الأيديولوجيا الاستعمارية الفرنسية في الخارج، وتحديداً في الجزائر. فالقيم الفرنسية لم تكن تُطبق إلا على “الإنسان المتحضر” بـ “معيار باريس”، أما المجموعات التي تمتلك نسقاً ثقافياً أو وجودياً مغايراً، فقد صُنّفت في مرتبة أدنى ضمن “تراتبية حضارية” متوهمة. فتحت شعار “رسالة التمدين” (Mission civilisatrice)، مارست فرنسا في الجزائر أبشع صور الاستعمار الاستيطاني والإبادة الثقافية والجسدية لأكثر من قرن وثلث. والمفارقة هنا تكمن في التطابق الأيديولوجي:
• في الداخل: نُظر إلى الغجري ككائن “غير منضبط” تجب ملاحقته بجهاز المراقبة والضبط الحيوي (Biopolitics) لإجباره على الاستقرار والاندماج القسري أو عزله.
• في الخارج: نُظر إلى الجزائري (الأهالي) عبر “قانون الانديجينـا” (قانون الأهالي الاستثنائي) ككائن خارج عن مدنية الأنوار، لا يستحق المواطنة إلا إذا تخلى عن أحواله الشخصية وهويته الإسلامية والعربية وذاب في “الفَرنَسة”.
لقد كانت الجزائر التجسيد الأقصى لكيفية تحول “العالمية” إلى أداة طمس؛ حيث اعتبرت فرنسا الجزائر مقاطعات فرنسية، لكنها في الوقت ذاته جردت الإنسان الجزائري من حقوق المواطنة، ومارست ضده مجازر وحشية (كمجازر 8 ماي 1945 وحرب التحرير) بذريعة “الحفاظ على النظام العام ووحدة الجمهورية”، تماماً كما بُرّر اعتقال الغجر في معسكرات “فيشي” بأنه “تدبير أمني لحماية النظام العام”.
والملاحظ أن الوعي الفلسفي الفرنسي لم يبدأ بمواجهة هذا الإرث الفاضح إلا في النصف الثاني من القرن العشرين، وذلك مع صعود فلاسفة الاختلاف والتفكيك (ما بعد الحداثة)، الذين أعادوا قراءة تاريخ المضطهدين من الغجر والجزائريين على حد سواء.
في “فلسفة البداوة” (Nomadology) لجيل دولوز وفيلكس غواتاري، يتضح أن “آلة الدولة” المستقرة بطبيعتها تسعى دائماً لتسوير الفضاء والسيطرة على المسارات؛ لذا فإنها ترى في ترحال الغجر تمادياً وجودياً يفلت من رقابتها. وفي المقابل، فإن ممارسات الثورة الجزائرية كانت تمثل “آلة حرب” بدوية ثائرة تفكك فضاء الاستعمار المسوّر. كما أضاءت تحليلات ميشيل فوكو حول “مجتمع المراقبة” كيف تصنع الدولة “معايير السواء” لتقصي وتحبس كل من يخرج عنها، سواء كان غجرياً يرفض الاستقرار العقاري، أو جزائرياً يرفض الخضوع للسيادة الاستعمارية.
ومن جهة أخرى، كان للمفكرين الفرنسيين الذين عايشوا الثورة الجزائرية، مثل جان بول سارتر في مقدمته الشهيرة لكتاب فرانتز فانون “معذبو الأرض”، الدور الأكبر في صدم الوعي الفرنسي، وذلك عندما أعلن أن “العالمية الفرنسية” هي مجرد قناع إيديولوجي يمارس البرجوازي الفرنسي تحته أبشع أنواع العنف في المستعمرات.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن قضية الغجر في الداخل والوجود الاستعماري في الجزائر هما وجهان لعملة إيديولوجية واحدة. كلاهما يثبت أن قيم الجمهورية الفرنسية تاريخياً كانت تعاني من عيب إنكاري؛ فهي ترحب بالآخر فقط عندما يتخلى عن “آخريته” ويتحول إلى نسخة مكررة صممتها البيروقراطية المركزية.
فاليوم، وبينما يستمر الحصار البيروقراطي والبيئي ضد “مواطني السفر” (Gens du voyage) في فرنسا عبر عزل مقطوراتهم قرب مكبات النفايات والمناطق الصناعية، وبينما تجد فرنسا صعوبة بالغة في التصالح مع ذاكرتها الاستعمارية في الجزائر، يبقى النقد الفلسفي المعاصر (مع مفكرين مثل إيتيان باليبار وإدغار موران) يذكرنا بأن “العالمية” الحقيقية ليست هي التي تفرض التجانس بقوة القانون أو السلاح، بل هي التي تملك الشجاعة الأخلاقية للاعتراف بالاختلاف، والاعتذار عن خطايا الذاكرة الاستعمارية.

أضف تعليق