متلازمة تايتانك… مثالٌ آخر على ما ألحقه فائضُ التمثّل من عظيم الضرر بعقل الإنسانَ

من بين آلاف الكوارث التي شهدها التاريخ الإنساني، تحتل كارثة غرق السفينة تايتانك في الرابع عشر من أبريل عام 1912 مكانةً استثنائية ليس بسبب عدد الضحايا الذين سقطوا فيها فحسب، بل لأنها كشفت عن جانب عميق من البنية النفسية والمعرفية للإنسان الحديث. فهذه الحادثة لم تكن مجرد غرق سفينة، بل كانت لحظةً رمزية انهارت فيها ثقة الإنسان المطلقة بنفسه وبقدرته على إخضاع الطبيعة لإرادته.
غير أن ما يثير الاهتمام ليس الكارثة ذاتها، بل طبيعة الاستجابة الفكرية التي أعقبتها. فبدلاً من أن تتجه الأنظار مباشرةً نحو تحليل الأخطاء البشرية التي ساهمت في وقوع الحادثة، برزت ردود فعل واسعة النطاق اتخذت من المأساة مناسبةً لإعلان موت الإله أو التشكيك في وجوده أو تحميله مسؤولية ما جرى. وكأن السؤال الأول لم يكن: “كيف غرقت السفينة؟” بل: “أين كان الرب عندما غرقت؟”
ومن هنا يمكن اقتراح ما أسميه “متلازمة تايتانك ” (Titanic Syndrome)، وهي نزعة معرفية ونفسية تدفع الإنسان إلى البحث عن مسؤولٍ خارجي أو متعالٍ يحمّله تبعات الكوارث التي صنعها بنفسه، بدلاً من أن يبدأ بتشخيص الأسباب الفعلية الكامنة وراء وقوعها.
فلو نظرنا إلى حادثة تايتانك بعين التحقيق العلمي وليس بعين الانفعال الوجداني، لوجدنا أن قائمة الأسئلة الضرورية كانت طويلة وواضحة. هل كانت هناك أخطاء تصميمية في بدن السفينة؟ وهل كانت الادعاءات المتعلقة باستحالة غرقها مبنية على معطيات علمية أم على ثقة مفرطة بالنفس؟ وهل كان عدد قوارب النجاة كافياً؟ وهل اتخذ القبطان القرارات المناسبة عند تلقي التحذيرات المتعلقة بالجليد؟ وهل ساهمت اعتبارات الربح والسمعة التجارية في التقليل من إجراءات السلامة؟
هذه الأسئلة كلها تتعلق بأسباب بشرية قابلة للفحص والمراجعة والإصلاح. ومع ذلك فقد اندفع كثيرون إلى تجاوزها نحو سؤال ميتافيزيقي يتعلق بمسؤولية الإله عن الحادثة.
ولعل ما يجعل هذه الظاهرة أكثر إثارة للاهتمام أنها لم تختفِ مع اختفاء تايتانك في أعماق المحيط، بل استمرت في الظهور بأشكال جديدة حتى يومنا هذا. فما زالت الحروب والنزاعات والمجاعات والتهجير والكوارث الاجتماعية تولّد رد الفعل ذاته. فبدلاً من البدء بتحليل المنظومات السياسية والاقتصادية والعسكرية والفكرية التي أدت إلى هذه النتائج، نجد من يسارع إلى طرح السؤال نفسه: لماذا لم يتدخل الرب لمنع ذلك؟ إن هذا السؤال، بصرف النظر عن مشروعيته الفلسفية أو الدينية، يخفي في كثير من الأحيان مشكلةً إبستمولوجية أعمق. فهو يفترض ضمناً أن المسؤولية الأساسية تقع على عاتق قوة متعالية، بينما يتم إعفاء الفاعلين البشريين من نصيب كبير من المسؤولية. والحال أن معظم المآسي التي عرفها التاريخ الحديث كانت ثمرة قرارات بشرية واضحة المعالم: حروب بدأها بشر، وأنظمة قمعية أنشأها بشر، وأزمات اقتصادية صنعها بشر، وكوارث بيئية تسبب بها بشر.
إن متلازمة تايتانك لا تتمثل إذاً في التساؤل عن وجود الإله أو دوره، بل في القفز فوق الأسباب القريبة والمباشرة للمشكلة بحثاً عن متهم أبعد وأكثر تجريداً. إنها شكل من أشكال الهروب المعرفي من مواجهة الذات. فالإنسان يجد أحياناً أن اتهام السماء أسهل من مساءلة الأرض، وأن تحميل المطلق المسؤولية أقل إيلاماً من الاعتراف بأخطائه وأخطاء مجتمعه.
ومن المفارقات أن هذه المتلازمة تظهر حتى في الحياة اليومية للأفراد. فكم من شخص يُرجع فشله إلى الحظ أو القدر أو الظروف أو الآخرين، بينما يتجنب مراجعة قراراته الخاصة؟ وكم من جماعة تُحمّل خصومها أو التاريخ أو المؤامرات مسؤولية أزماتها، بينما تمتنع عن نقد ذاتها؟ إن الآلية النفسية واحدة، وإن اختلفت الأسماء والموضوعات.
ولذلك يمكن النظر إلى متلازمة تايتانك بوصفها أحد أعراض فائض التمثّل الذي أصاب العقل البشري. فبدلاً من التعامل مع المشكلات بوصفها وقائع قابلة للتشخيص والحل، تتحول في الذهن إلى دراما شاملة تستدعي البحث عن مذنبين رمزيين وأسباب متعالية. وهكذا تتضخم المشكلة وتتوارى أسبابها الحقيقية خلف سحب كثيفة من التأويلات الأيديولوجية والميتافيزيقية.
إن الدرس الذي كان ينبغي أن يتعلمه الإنسان من تايتانك ليس أن “الإله قد مات”، بل أن الغرور البشري قادر على أن يغرق. وليس أن “الرب” قد قصّر في أداء واجبه، بل أن البشر كثيراً ما يقصّرون في مساءلة أنفسهم. فحين تُغرق الثقة المفرطة سفينةً، أو تشعل المصالح حرباً، أو يقود التعصب إلى كارثة، فإن الطريق إلى الحل لا يبدأ من البحث عن متهمٍ في السماء، بل من الجرأة على النظر في المرآة.
ولعل هذا هو جوهر متلازمة تايتانك: أن يظل الإنسان منشغلاً بالسؤال عمن يتحمل المسؤولية، في الوقت الذي يكون فيه الجواب معلوماً لديه منذ البداية.

أضف تعليق