في الدفاع عن الظواهر الفجائية… لماذا آن الأوان لأن نعيد التفكير في أوهام التدرج والاستمرارية؟

من بين أكثر الافتراضات رسوخًا في العقل البشري ذلك الافتراض القائل إن كل تغير مهم لا بد أن يمر بمراحل متعاقبة، وأن كل ظاهرة كبيرة لا بد أن تسبقها مقدمات صغيرة يمكن رصدها وتتبعها، وأن المستقبل ليس سوى امتداد منتظم للحاضر. ولعل هذا الاعتقاد يبدو للوهلة الأولى معقولًا؛ فالعالم من حولنا يقدم أمثلة لا حصر لها على صحة هذا النمط من التفكير. فالبذرة تنمو تدريجيًا لتصبح شجرة، والطفل يتدرج في نموه حتى يبلغ الرشد، والجبال تتشكل عبر عمليات جيولوجية طويلة، وحتى البراكين التي تبدو لنا رمزًا للعنف والانفجار لا تثور عادةً إلا بعد سلسلة من المؤشرات والاضطرابات التي تسبق انفجارها النهائي. ولهذا السبب اعتاد العقل الإنساني أن ينظر إلى التدرج بوصفه القانون العام الذي يحكم الظواهر. فحين نواجه حدثًا ما فإننا نفترض تلقائيًا وجود سلسلة من الأسباب والمقدمات التي قادت إليه. وحين نعجز عن العثور على تلك المقدمات فإننا لا نشكك في وجودها، بل نفترض فقط أننا لم ننجح بعد في اكتشافها. غير أن العقود الأخيرة أخذت تكشف شيئًا فشيئًا عن وجود فئة أخرى من الظواهر تبدو وكأنها تتمرد على هذا التصور المريح للعالم. إنها ظواهر لا تتكشف أمامنا خطوة بعد خطوة، بل تظهر فجأة، وكأنها تقفز من العدم إلى الوجود. وما يزيد من غرابتها أن البحث العلمي كلما تعمق في دراستها ازداد اقتناعًا بأن عنصر المفاجأة فيها ليس مجرد قصور في أدوات الرصد، بل قد يكون جزءًا أصيلًا من بنيتها الداخلية.
ولعل من أكثر الأمثلة إثارة للاهتمام ما كشفت عنه بعض الأبحاث الحديثة في طب الشيخوخة. فقد ظل الاعتقاد السائد لعقود طويلة أن الشيخوخة عملية تراكمية بحتة، تتقدم ببطء وثبات منذ الولادة وحتى الوفاة. غير أن نتائج متزايدة بدأت تشير إلى أن أجزاء مهمة من التدهور المرتبط بالعمر لا تحدث بالكيفية التدريجية التي تصورناها طويلًا، بل تظهر في صورة قفزات أو تحولات مفاجئة تفصل بين مرحلتين مختلفتين من الحالة البايولوجية للإنسان. وكأن الشيخوخة، في بعض تجلياتها، لا تشبه نمو الشجرة بقدر ما تشبه انكسار غصن ظل يقاوم طويلًا قبل أن يبلغ فجأة نقطة الانهيار.
إن ثورية هذه النتائج لا تكمن في الشيخوخة وحدها، بل في ما تفتحه من أفق معرفي أوسع. فربما لا تكون الشيخوخة سوى مثال واحد على نمط كوني أعمق من الظواهر التي تبقى مستقرة ظاهريًا حتى لحظة معينة، ثم تنتقل بصورة فجائية إلى حالة جديدة تختلف جذريًا عما سبقها. فالأمر ذاته يمكن ملاحظته في الانهيارات الاقتصادية، وفي التحولات السياسية الكبرى، وفي بعض الأمراض، وفي حالات الانقراض البايولوجي، بل وحتى في التغيرات النفسية والفكرية التي تصيب الأفراد والمجتمعات. فما يلفت الانتباه في هذه الظواهر ليس وقوعها المفاجئ فحسب، بل عجزنا المتكرر عن توقع توقيت حدوثها رغم معرفتنا المسبقة بالعوامل التي تساهم في نشأتها. وكأن النظام يظل محتفظًا باستقراره إلى أن يبلغ عتبة خفية لا ندركها، ثم يتحول دفعة واحدة إلى حالة جديدة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إيلاء هذه الظواهر مزيدًا من الاهتمام المنهجي. فالمشكلة لا تتمثل فقط في أننا لا نفهمها فهمًا كافيًا، بل في أننا كثيرًا ما نتعامل معها بوصفها استثناءات نادرة لا تستحق بناء نماذج معرفية خاصة بها. والحال أن التاريخ العلمي يعلمنا أن ما يبدو استثناءً اليوم قد يتحول غدًا إلى مفتاح لفهم طائفة كاملة من الوقائع التي استعصت طويلًا على التفسير.
فلقد اعتاد العقل البشري أن يبحث عن التدرج لأنه ينسجم مع حاجته العميقة إلى التنبؤ والسيطرة. أما الظواهر الفجائية فإنها تضعه أمام حقيقة أكثر إزعاجًا، وهي أن الواقع قد يكون أقل استمرارية وأكثر انقطاعًا مما نتصور. وأن بعض التحولات لا تحدث لأن الأسباب قد ازدادت تدريجيًا فحسب، بل لأن النظام بأكمله بلغ نقطة حرجة لا تختلف كثيرًا عن اللحظة التي ينكسر فيها الجسر، أو ينهار السد، أو يثور البركان.
ولعل السؤال الأكثر إلحاحًا الذي ينبغي أن يشغل الباحثين اليوم لا يتعلق بوقوع هذه التحولات المفاجئة بقدر ما يتعلق بالقوانين التي تجعلها ممكنة أصلًا. فما الذي يحدد تلك اللحظة الفاصلة؟ وما هي البنية الخفية التي تجعل النظام يبدو مستقرًا حتى اللحظة الأخيرة قبل أن ينتقل فجأة إلى حالة جديدة؟ وهل نحن أمام استثناءات متفرقة، أم أمام قانون عام لم ننجح بعد في إدراك مداه؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة قد تكون من أهم التحديات المعرفية في القرن الحادي والعشرين. فربما يكون قصورنا عن فهم الظواهر الفجائية نابعًا من اعتيادنا المفرط على رؤية العالم بوصفه سلسلة متصلة من التحولات التدريجية. وربما آن الأوان لأن نتعلم أن بعض أهم أحداث الوجود لا تأتي إلينا متدرجة كشروق الشمس، بل مباغتة كالبرق.

أضف تعليق