العلم وحدود التفسير… لماذا يفشل التطور التدريجي في تفسير الإنسان؟

من أكثر الأخطاء شيوعًا في تاريخ المعرفة الإنسانية الخلط بين نجاح نظرية ما في تفسير جانب
من الظاهرة، وبين نجاحها في تفسير الظاهرة كلها. فكثيرًا ما يحدث أن يحقق نموذج علمي نجاحًا كبيرًا في مجال معين، ثم يُفترض، بصورة غير واعية أحيانًا، أن هذا النجاح يكفي لتمديد سلطته التفسيرية إلى مجالات أخرى قد لا يكون مؤهلًا أصلًا لتفسيرها. ولعلّ هذا هو ما حدث، إلى حد بعيد، مع النظرية التطورية حين انتقلت من كونها إطارًا بالغ القوة لتفسير التنوع الحيوي والتغيرات العضوية، إلى كونها نموذجًا شاملًا يُفترض أنه قادر على تفسير الإنسان بكل ما ينطوي عليه من ظواهر نفسية وثقافية وحضارية ودينية وفلسفية. والمشكلة هنا لا تتعلق بصحة النظرية التطورية أو خطئها، بل بحدود قدرتها التفسيرية. فليس ثمة شك في أن المقاربة التطورية قدمت إسهامات ضخمة في فهم التشابهات التشريحية والوراثية بين الكائنات الحية، وفي تفسير كثير من آليات التكيف والتغير العضوي عبر الزمن. غير أن النجاح في تفسير البنية الجسدية لا يعني بالضرورة النجاح في تفسير البنية الوجودية للإنسان. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية. فالإنسان ليس مجرد هيكل عظمي أكثر تطورًا، أو دماغ أكبر حجمًا، أو جهاز عصبي أكثر تعقيدًا. إن الإنسان هو أيضًا اللغة، والدين، والفلسفة، والفن، والحضارة، والقلق الوجودي، والكراهية المؤجلة، والبحث عن المعنى، والهوس بالمستقبل، والاستعداد للموت من أجل فكرة، والقدرة على تحويل الرموز إلى حقائق اجتماعية وسياسية قادرة على إعادة تشكيل العالم، وهذه كلها ظواهر لا يكفي مجرد الإشارة إلى (التطور التدريجي) لتفسيرها. بل إن السؤال الأكثر إحراجًا يتمثل في الآتي: هل توجد في الأصل سلسلة انتقالية واضحة ومفهومة تربط بين السلوك الحيواني المعروف وبين هذه الانفجارات التمثّلية الهائلة التي نراها عند الإنسان؟
إن المنهج العلمي، في جوهره، لا يقوم على الدفاع عن النماذج القائمة، بل على اختبارها باستمرار. والعلم الحقيقي لا يطلب من الظواهر أن تنسجم مع النظرية، بل يطلب من النظرية أن تنسجم مع الظواهر.
ومن هنا فإن السؤال العلمي المشروع لا ينبغي أن يكون: كيف ندافع عن (الاستمرارية التطورية)؟ بل: هل تكفي (الاستمرارية التطورية) فعلًا لتفسير ما نراه؟
فلو أخذنا مثالًا واحدًا مثل القلق الوجودي، أو الحضارة، أو الفن، أو الكراهية العقائدية، أو البحث عن الخلود الرمزي، فسنجد أنفسنا أمام ظواهر تستهلك مقادير هائلة من الطاقة النفسية والاجتماعية، دون أن يظهر بوضوح كيف يمكن اختزالها إلى امتدادات تدريجية بسيطة لسلوكيات حيوانية سابقة، بل أن كثيرًا من هذه الظواهر يبدو وكأنه يتمرد على المنطق الذي يفترض أن (الانتخاب الطبيعي) يعمل وفقه. فالطبيعة تميل إلى الاقتصاد، أما الإنسان فيميل إلى التضخم الرمزي. والطبيعة تميل إلى الوظيفة، أما الإنسان فيميل إلى المعنى. والطبيعة تميل إلى التكيف، أما الإنسان فيميل إلى إعادة اختراع العالم داخل ذهنه.
ومن هنا فإن الإشكال لا يكمن في وجود التطور، بل في افتراض أن التطور وحده، بصورته التدريجية التقليدية، كافٍ لتفسير كل ما نراه.
إن العلم مليء بأمثلة اضطرت فيها النماذج السائدة إلى التراجع أمام ظواهر لم تكن قادرة على استيعابها. فالميكانيكا النيوتونية لم تكن خاطئة، لكنها لم تكن كافية لتفسير كل شيء. وكذلك الأمر بالنسبة لنماذج كثيرة نجحت ضمن نطاق معين ثم ظهرت الحاجة إلى توسيعها أو تجاوزها عندما برزت معطيات جديدة. فلماذا يُنظر إلى مساءلة كفاية النموذج التطوري في تفسير الإنسان وكأنها خروج على العلم، بينما هي في حقيقتها ممارسة للروح العلمية ذاتها؟
إن أكثر ما يثير الانتباه في الإنسان ليس ما يشترك فيه مع الحيوان، بل ما يختلف به عنه. وليس المقصود هنا الاختلافات الجسدية، بل تلك الهوة الهائلة التي تفصل بين كائن يعيش داخل الحاضر المباشر، وكائن آخر يعيش داخل الماضي والمستقبل والخيال والرموز والميتافيزيقا والمعاني والاحتمالات اللامتناهية.
إننا لا نتحدث عن زيادة كمية في الإدراك، بل عن تغير نوعي في طبيعة الوجود نفسه. ومن هنا يبرز مفهوم “فائض التمثّل” بوصفه محاولة لوصف هذه القطيعة. فالمشكلة لا تكمن في أن الإنسان قد أصبح أكثر ذكاءً، بل في أنه قد أصبح قادرًا على تمثل العالم بدرجة تفوق ما تتطلبه الوظائف الحيوية نفسها. فلقد أصبح يعيش داخل طبقات من الصور والتأويلات والرموز التي لا نجد لها نظيرًا حقيقيًا في عالم الحيوان، وهذا ما يجعل الإنسان، من منظور معرفي، ظاهرة تحتاج إلى تفسير خاص، بل أن الإصرار على دمج هذه الظاهرة بالكامل داخل نموذج الاستمرارية السلسة قد يكون أقرب إلى الموقف الأيديولوجي منه إلى الموقف العلمي. فالعلم لا يفرض الاستمرارية إذا كانت الظواهر تشير إلى الانقطاع، ولا يفرض الانقطاع إذا كانت الظواهر تشير إلى الاستمرارية، بل يلتزم بما تمليه المعطيات. وهنا تحديدًا تكتسب السردية القرآنية عن آدم والشجرة دلالة خاصة. فبعيدًا عن الجدل التديني التقليدي، تقدم هذه السردية نموذجًا مختلفًا تمامًا لفهم الإنسان. فهي لا تصوره بوصفه نتيجة تراكم تدريجي بسيط، بل بوصفه كائنًا شهد انعطافة حاسمة غيّرت علاقته بالعالم وبنفسه.
إن لحظة الأكل من الشجرة، وفق القراءة التي تتبناها هذه السلسلة من المقالات، لا تمثل مجرد حدث أخلاقي، بل تمثل نقطة تحول معرفية ووجودية كبرى؛ أي لحظة انتقال من (الانسجام الحيوي) إلى (فائض التمثّل)، ومن (الإدراك الوظيفي) إلى (الإدراك الرمزي المتضخم).
وهذا لا يعني أن السردية القرآنية تقدم تفسيرًا علميًا بالمعنى التجريبي المباشر، بل يعني أنها تحتفظ، بصيغة رمزية، بإدراك عميق لوجود (قطيعة ما) في تاريخ الإنسان؛ وهي قطيعة لا تزال العلوم الإنسانية والطبيعية تحاول فهمها حتى اليوم.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجهه العلم ليس: كيف نحمي النموذج القائم؟ بل: ما الذي ينبغي علينا إضافته إلى النموذج القائم حتى يصبح قادرًا على تفسير الإنسان فعلًا؟ وذلك لأن أكبر خطر يواجه المعرفة هو ليس أن نعترف بوجود مشكلة لم تُحل بعد، بل أن نقنع أنفسنا بأن المشكلة قد حُلَّت لمجرد أننا اعتدنا على النموذج الذي يفسر جزءًا منها. وهكذا فإن الإنسان لا يمثل تحديًا للنظرية التطورية بقدر ما يمثل تحديًا لأي نموذج يدّعي امتلاك التفسير الكامل، فكلما تعمقنا في فهم هذا الكائن، ازددنا إدراكًا أن السؤال الحقيقي هو ليس كيف تطور جسده، بل كيف نشأ ذلك العالم الهائل من الرموز والمعاني والتمثّلات الذي يسكن داخله، والذي جعل منه الكائن الأكثر إبداعًا والأكثر معاناةً في الوقت نفسه.

أضف تعليق