
إذا كنا قد اعتدنا النظر إلى العالم بوصفه مسرحًا لعمليات بطيئة ومتدرجة، وإذا كانت المقالة السابقة قد دعت إلى إعادة الاعتبار لتلك الفئة من الظواهر التي تحدث بغتة ومن دون مقدمات ظاهرة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن يتجاوز الشيخوخة والبراكين والانهيارات الكبرى ليطال الظاهرة الإنسانية ذاتها. فماذا لو كان الحدث الأهم في تاريخ الإنسان قد وقع بالطريقة نفسها؟ ماذا لو أن التحول الذي جعلنا ما نحن عليه اليوم لم يكن نتيجة تراكم بطيء ومتواصل، بل كان يتضمن لحظة انعطافة فجائية فاصلة غيرت مسار هذا الكائن إلى الأبد؟
لقد اعتادت معظم السرديات الحديثة المتعلقة بأصل الإنسان أن تتصور ظهور خصائصه الذهنية الفريدة بوصفه ثمرة عملية تراكمية طويلة امتدت لمئات آلاف السنين. ووفق هذا التصور فإن اللغة، والوعي الذاتي، والخيال، والفن، والأخلاق، والقلق الوجودي، لم تكن سوى نتائج تدريجية لتزايد التعقيد العصبي والدماغي عبر الزمن. غير أن هذا التصور، على أهميته، لا يجيب عن سؤال جوهري ظل حاضرًا في خلفية النقاش: ما الذي أشعل الشرارة الأولى؟ وما الذي تسبب في انتقال الدماغ من مجرد أداة متطورة للتكيف مع البيئة إلى منتج هائل للمعاني والرموز والتمثلات والتجريدات؟ إن المشكلة هنا تشبه إلى حد بعيد ما نواجهه في دراسة الظواهر الفجائية الأخرى. فالتراكم وحده لا يفسر لحظة الانفجار. والاقتراب من نقطة التحول لا يفسر بالضرورة السبب الذي جعل التحول يقع عند تلك اللحظة تحديدًا دون غيرها.
ومن هنا تكتسب السردية القرآنية دلالة معرفية استثنائية، ليس بوصفها نصًا دينيًا فحسب، بل بوصفها حافظة لذاكرة رمزية تتحدث عن حدث تأسيسي مفارق. فالنص القرآني لا يصف تحوّل الإنسان الأول بوصفه سلسلة طويلة من الخطوات الصغيرة، بل يربطه بفعل محدد ومفرد يتمثل في الأكل من الشجرة. ولقد جرى التعامل مع هذه الشجرة، في أغلب الأحيان، بوصفها مجرد رمز أخلاقي للطاعة والعصيان. غير أن هناك قراءة أخرى ممكنة، لا تنفي البعد الرمزي لكنها تضيف إليه بعدًا أنثروبولوجيًا ومعرفيًا مختلفًا. فربما لم يكن التركيز القرآني على فعل الأكل من الشجرة أمرًا عرضيًا، بل إشارة إلى حدث بايولوجي أو كيميائي أو معرفي تسبب في إطلاق سلسلة من التحولات غير المسبوقة. فما الذي يمنع، من حيث المبدأ، من تصور أن مادة معينة أو مركبًا كيميائيًا بعينه أو تغيرًا فسيولوجيًا محددًا، كان بمثابة الشرارة التي قدحت زناد الانعطافة التطورية الأولى؟
إن تاريخ الحياة نفسه مليء بأمثلة على تأثيرات هائلة أحدثتها تغيرات صغيرة ظاهريًا. فكم من جين واحد غيّر مصير نوع بأكمله؟ وكم من مادة كيميائية بسيطة أعادت تشكيل سلوك كائن حي بصورة جذرية؟ وإذا كانت بعض المواد قادرة اليوم على إحداث تغيرات عميقة في الإدراك والوعي والإحساس بالذات خلال ساعات معدودة، فلماذا نستبعد إمكانية أن يكون حدث تأسيسي ما قد وقع في الماضي السحيق وأدى إلى إطلاق نمط جديد كليًا من النشاط الذهني عند الانسان؟
وهنا نصل إلى مفهوم “فائض التمثّل”؛ ذلك المفهوم الذي يشكل محورًا أساسيًا في فهم الظاهرة الإنسانية. فالإنسان لا يكتفي بإدراك الأشياء، بل يعيد تمثلها داخل ذهنه مرات لا تكاد تنتهي. إنه لا يرى الشجرة فحسب، بل يصنع عنها قصة ورمزًا وأسطورة وتأويلًا ونظرية. ولا يعيش اللحظة فحسب، بل يعيش ذكرياتها واحتمالاتها ومستقبلها ومخاوفها في الوقت نفسه. إن هذا الفائض التمثلي هو الذي صنع الأساطير والفلسفة والفن والعلم والسياسة والحضارة. وهو ذاته الذي صنع القلق والحروب والأيديولوجيات والصراعات الوجودية. وهو الذي جعل الإنسان الكائن البايولوجي الوحيد الذي يستطيع أن يعذب نفسه بأفكار لا وجود لها خارج ذهنه.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل ظهر هذا الفائض بالتدريج البطيء الذي نتصوره عادة؟ أم أنه كان نتيجة انعطافة فجائية أشبه بتلك التحولات الحرجة التي نراها في أنظمة معقدة كثيرة؟
فإذا أخذنا الظواهر الفجائية على محمل الجد، فإن الاحتمال الثاني يصبح جديرًا بالتأمل. فربما لم يكن الإنسان مجرد حيوان ازداد ذكاؤه قليلًا بعد قليل، بل كائنًا تعرض في لحظة ما لتحول نوعي أدى إلى انطلاق قدرات تمثلية لم تكن موجودة من قبل بالشكل ذاته. وعندئذ تغدو الشجرة، في السردية القرآنية، أكثر من مجرد عنصر في قصة دينية. إنها تصبح رمزًا للحظة الانفجار المعرفي العظيم؛ وهي اللحظة التي غادر فيها الإنسان عالم الاندماج الطبيعي البسيط إلى عالم الوعي المفرط والتمثل اللامحدود. إنها اللحظة التي لم يتغير فيها الإنسان قليلًا فحسب، بل أصبح شيئًا آخر مختلفًا عمّا كان عليه. وهنا لابد من التشديد على حقيقة مفادها أننا لسنا مضطرين إلى الجزم بطبيعة تلك الشجرة، ولا بمادتها، ولا بالكيفية التي وقع بها الحدث. غير أن ما يستحق الاهتمام حقًا هو الفكرة الكامنة خلف السردية ذاتها؛ فكرة أن التحولات الأعظم في التاريخ قد لا تكون دائمًا نتيجة مسار بطيء ومتدرج، بل قد تنبثق أحيانًا من لحظة فاصلة واحدة تغير كل شيء. فإذا صح ذلك، فإن السؤال عن أصل الإنسان لا يعود سؤالًا عن التراكم وحده، بل يصبح أيضًا سؤالًا عن الشرارة. لا عن الطريق الطويل فحسب، بل عن اللحظة التي أشعلت بدايته. وربما كانت تلك اللحظة، أكثر من أي شيء آخر، هي الحدث الفجائي الأعظم في تاريخ جنسنا البشري كله.
