الإنسان الكائن الذي يستهلك نفسه… من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل

من بين جميع الكائنات التي عرفتها الأرض، يبدو الإنسان حالة فريدة من نوعها في قدرته على استنزاف ذاته. فالحيوان قد يستهلك طاقته في الهرب من مفترس، أو في البحث عن الغذاء، أو في الدفاع عن صغاره، أو في التنافس على التزاوج، لكن هذا الاستهلاك يظل، في نهاية المطاف، خاضعًا لمنطق واضح ومباشر يتمثل في غريزة البقاء. أما الإنسان فقد أصبح الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يستهلك القسم الأعظم من حياته وطاقته في أمور لا ترتبط بالبقاء المباشر إلا ارتباطًا بعيدًا، بل قد تتحول في كثير من الأحيان إلى أسباب لمعاناته وتعاسته وانهياره.
وهنا يبرز سؤال ذو دلالة بالغة: لماذا أصبح الإنسان الكائن الذي يستهلك نفسه؟ فلو تأملنا الحياة اليومية للإنسان لوجدنا أن معظم ما يستنزفه ليس الجهد الجسدي، بل “الجهد التمثّلي”. فالإنسان يستنزف نفسه في التفكير بما سيحدث غدًا، وفي اجترار ما حدث بالأمس، وفي القلق من نظرة الآخرين إليه، وفي المقارنة المستمرة بين ما هو عليه وما يتمنى أن يكونه، وفي الدفاع عن صورة ذهنية بناها عن نفسه أو عن جماعته أو عن معتقده أو عن مستقبله. فالإنسان لا يعيش داخل العالم فحسب، بل يعيش داخل شبكة معقدة من التمثّلات عن العالم. وهنا يكمن جوهر المشكلة. فالطبيعة، كما تبدو في سائر الكائنات الحية، لا تسمح بمثل هذا الهدر الهائل للطاقة. فالكائن الطبيعي لا يحمل معه مخاوف الأمس إلى الغد، ولا يستهلك حياته في مراجعة ما كان يمكن أن يفعله ولم يفعله، ولا ينهار بسبب فكرة عن المستقبل أو تصور مجرد عن الفشل أو النجاح. أما الإنسان فقد أصبح قادرًا على تحويل حياته كلها إلى عملية استنزاف مستمرة. إنه الكائن الذي قد يقضي سنوات في القلق بشأن حدث لم يقع. والذي قد يبدد عمره في مطاردة مكانة اجتماعية لا تشبع. وقد يرهق نفسه في السعي إلى اعتراف الآخرين. ويعاني من الإحساس بالنقص رغم امتلاكه ما يكفيه. وقد يطارد حلمًا، فإذا حققه بدأ بمطاردة حلم آخر. ومن هنا فإن الإنسان لا يستهلك موارده الخارجية فقط، بل يستهلك نفسه ذاتها.
ولعلّ هذا هو ما يجعل مفهوم “فائض التمثّل” ضروريًا لفهم الظاهرة الإنسانية. فالمشكلة لا تكمن في كون الإنسان يمتلك وعيًا أكثر من الحيوان، بل في أنه يمتلك وعيًا قادرًا على الانفصال عن الواقع، وإنتاج عوالم كاملة من الصور الذهنية والتوقعات والتأويلات التي تفرض عليه استنزافًا دائمًا.
فالإنسان لا يكتفي بالجوع الحقيقي بل يخلق “جوعًا رمزيًا”، ولا يكتفي بالحاجة الطبيعية بل ينتج حاجات لا نهائية، ولا يكتفي بالخوف من الخطر بل يخاف من احتمالات الخطر، ولا يكتفي بالعيش بل يريد أن يعرف لماذا يعيش، وكيف يعيش، وماذا سيحدث بعد موته، وكيف سيحكم الآخرون على حياته. وهكذا يصبح الوعي نفسه آلة استهلاك لا تتوقف.
ومن هنا يمكن إعادة النظر في جانب كبير من التاريخ البشري؛ فالسباق المحموم نحو الثروة، والسعي إلى السلطة، والتنافس على المكانة، والهوس بالشهرة، والتعلق بالإيديولوجيات، والانغماس في الصراعات العقائدية، كلها يمكن قراءتها بوصفها تجليات مختلفة لهذا الاستنزاف التمثّلي.
إن الإنسان لا يكتفي بما يحتاج إليه، بل يريد دائمًا ما يتجاوز حاجته؛ وهذا التجاوز هو الذي صنع الحضارة، لكنه صنع معها المعاناة أيضًا. فالحيوان حين يشبع يتوقف غالبًا عن السعي. أما الإنسان فقد يشبع جسديًا ويبقى جائعًا نفسيًا، وقد يملك الأمن ويظل خائفًا، وقد يحقق النجاح ويشعر بالفشل، وقد يعيش وسط الوفرة ويشعر بالنقص، وذلك لأن المشكلة لم تعد في الواقع نفسه، بل في تمثّله للواقع. ومن هنا يمكن فهم كثير من الظواهر الحديثة التي تبدو محيرة للوهلة الأولى، فوسائل التواصل الاجتماعي مثلًا لا تستنزف الإنسان لأنها تلبي حاجاته الحيوية، بل لأنها تغذي حاجاته “التمثّلية”؛ فهي تمنحه فرصًا لا تنتهي للمقارنة والتقييم والاعتراف والظهور وبناء الصور الذهنية عن الذات والآخرين، ولهذا السبب أصبحت الإنسانية المعاصرة أكثر تواصلًا واتصالاً من أي وقت مضى، وأكثر قلقًا في الوقت ذاته. وأكثر اطلاعًا من أي وقت مضى لكن أكثر ارتباكًا أيضًا. فالإنسان المعاصر يغرق في بحر من التمثّلات التي تتكاثر أسرع من قدرته على التعامل معها.
ولعلّ هذا ما يفسر أيضًا لماذا لم يؤدِّ التقدم الحضاري إلى القضاء على المعاناة النفسية. فكلما ازدادت قدرة الإنسان على إنتاج الرموز والمعاني والصور، ازدادت قدرته على إنتاج أشكال جديدة من القلق والحرمان والاستنزاف، وكأن الحضارة، بدل أن تحرره من عبء الوعي، قد ضاعفت هذا العبء. وهنا تتجلى السردية القرآنية عن آدم وأكله من الشجرة بصورة ذات دلالة بالغة. فإذا كانت الشجرة تمثل لحظة الانتقال إلى فائض التمثّل، فإن الإنسان بعد هذه اللحظة يصبح الكائن الذي لم يعد قادرًا على الاكتفاء بالوجود البسيط. فلقد أصبح كائنًا محكومًا بالسؤال والمقارنة والتوقع والندم والطموح والبحث الدائم عن شيء يتجاوز ما هو قائم.فلقد أصبح الكائن الذي يستهلك نفسه.
ومن اللافت للنظر أن كثيرًا من التقاليد الروحية والفلسفية الكبرى أدركت هذه الحقيقة بصورة أو بأخرى. فالدعوات إلى الزهد والقناعة والتأمل والعيش في الحاضر والسكينة الداخلية، ليست في جوهرها إلا محاولات للحد من الاستنزاف الذي يفرضه فائض التمثّل. إنها محاولات لاستعادة شيء من الاقتصاد الطبيعي الذي فقده الإنسان، لكنها تبقى محاولات جزئية، لأن الإنسان لا يستطيع العودة بالكامل إلى ما كان عليه قبل الانعطافة الكبرى التي جعلته كائنًا تمثّليًا.
وهكذا فإن السؤال الحقيقي لا يعود: لماذا يتعب الإنسان؟ بل: لماذا أصبح الإنسان الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يحوّل وعيه نفسه إلى أداة لاستنزافه؟ ولماذا يبدو وكأنه يعيش في حالة دائمة من الإنفاق النفسي والعاطفي والرمزي تتجاوز بكثير ما تتطلبه ضرورات الحياة الطبيعية؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف أن أعظم ما يميز الإنسان هو ليس قدرته على التفكير، بل الثمن الباهظ الذي دفعه مقابل هذه القدرة؛ ذلك الثمن الذي جعله الكائن الأكثر إنتاجًا للمعنى، والأكثر استنزافًا لذاته في الوقت نفسه.

أضف تعليق