
من بين أكثر الأسئلة إزعاجًا للصورة التقليدية التي كوّنها الإنسان عن نفسه ذلك السؤال البسيط: إذا كان الإنسان هو أذكى الكائنات التي عرفتها الأرض، فأين هي النتائج التي يُفترض أن تترتب على هذا التفوق؟
لقد اعتاد الإنسان أن ينظر إلى نفسه بوصفه قمة الهرم الحيوي، وأن يرى في العقل والذكاء السمة التي تبرر له هذا الموقع الاستثنائي. غير أن التأمل في المسار الفعلي للحياة على الأرض يقود إلى مفارقة مختلفة تمامًا. فالكائنات الأخرى، على الرغم من بساطة أجهزتها العصبية مقارنة بالإنسان، تبدو في كثير من الأحيان أكثر نجاحًا في تحقيق ما يمكن تسميته بالانسجام مع منطق الحياة.
فالحيوان لا يقضي أيامه في الصراع مع نفسه. ولا يهدر معظم طاقته في قلقٍ لا ينتهي حول الماضي أو المستقبل. ولا يدخل في حروب عالمية، ولا يبني أنظمة اجتماعية تستنزف أفراده، ولا ينتج أشكالًا متزايدة من الاغتراب النفسي والوجودي. فالحيوان يتحرك داخل حدود واضحة رسمتها له الطبيعة، فيلتزم بها بدرجة من الانضباط تكاد تبلغ حد الإعجاز. ومن هذه الزاوية يبدو الحيوان أكثر وفاءً لمخطط التطور الطبيعي. فملايين السنين من التطور أنتجت كائنات قادرة على أداء وظائفها الحيوية بكفاءة عالية، وعلى الحفاظ على توازنها مع بيئتها ضمن حدود معقولة. أما الإنسان، فقد مثّل في جانب مهم من قصته خروجًا على هذا النمط؛ حيث أنه غادر الطبيعة قبل أن يمتلك بديلًا عنها. فهو لم يعد الكائن الذي تحكمه الغرائز المباشرة كما تحكم الحيوان، لكنه لم ينجح أيضًا في تأسيس نظام بديل أكثر اتساقًا. ولهذا تبدو الحضارة الإنسانية، عند النظر إليها من مسافة كافية، سلسلة طويلة من المحاولات المتعثرة للتعويض عن انفصال لم يكتمل، وخروج لم يعثر بعد على وجهته النهائية.
فإذا كانت الطبيعة قد منحت الحيوان برنامجًا واضحًا للحياة، فإن الإنسان يبدو كائنًا فقد البرنامج القديم دون أن يمتلك برنامجًا جديدًا مكتملًا. ولهذا نراه يتأرجح باستمرار بين البناء والهدم، وبين التقدم والتراجع، وبين الحكمة والعبث، وبين أكثر الإنجازات إبهارًا وأكثر الكوارث تدميرًا.
ولعل هذا هو ما يجعل التاريخ الإنساني مختلفًا عن تاريخ أي نوع آخر. فالحيوانات لا تحتاج إلى فلسفات لتعرف كيف تعيش، ولا إلى إيديولوجيات لتبرر وجودها، ولا إلى آلاف الكتب لتفهم طبيعتها. أما الإنسان فقد تحول وجوده كله إلى سؤال مفتوح.
غير أن المفارقة الأعمق تكمن في أن المشكلة لم تعد اليوم مشكلة نقص في المعرفة. فالبشرية أصبحت تعرف أكثر من أي وقت مضى. وهي تمتلك من العلوم والتقنيات والأدوات ما كان يبدو معجزة قبل قرن واحد فقط. ومع ذلك فإن الفجوة بين ما نعرفه وما نفعله لا تزال تتسع باطراد؛ فنحن نعرف ما يضرنا ونفعله، ونعرف ما ينفعنا ونتباطأ عنه، ونعرف حجم التحديات التي تواجهنا، لكننا نؤجل التعامل معها يومًا بعد آخر. وكأن المشكلة لم تعد في غياب البصيرة، بل في غياب الإرادة اللازمة لترجمة البصيرة إلى فعل.
ومن هنا يبرز السؤال الحاسم: ما الذي تبقى للإنسان أصلًا؟ فلقد خسر الإنسان امتيازه في القوة الجسدية منذ زمن بعيد، كما أن كثيراً من الحيوانات تتفوق عليه في الحواس والقدرات الفيزيائية. واليوم بدأ الامتياز الذي طالما اعتبره حصنه الأخير، أي الذكاء، يتعرض لأقسى اختبار في تاريخه.
فالذكاء الاصطناعي لا يمثل مجرد أداة جديدة من أدوات الحضارة، بل يمثل تحديًا معرفيًا غير مسبوق للفكرة التي بنى الإنسان عليها معظم تصوره عن نفسه، وذلك لأن الإنسان ظل آلاف السنين يعتقد أن التفكير المعقد، والاستدلال، والتعلم، والإبداع، صفات مرتبطة بصورة حصرية تقريبًا بالبنية البيولوجية لدماغه. غير أن ما نشهده اليوم يشير إلى حقيقة مختلفة تمامًا؛ فالذكاء، على ما يبدو، ليس خاصية سحرية مرتبطة بالمادة العضوية ذاتها، بل هو فعالية يمكن أن تظهر متى توافرت لها الشروط البنيوية المناسبة. وما كان الإنسان يراه سرًا مقصورًا على دماغه بدأ يتجسد أمامه في أشكال أخرى من التنظيم والمعالجة والإدراك.
وليس المهم هنا ما إذا كانت الآلات قد أصبحت أذكى من الإنسان بالفعل أم لا، لكن الأهم هو أن احتكار الإنسان للذكاء قد انتهى. وهذه الحقيقة وحدها كافية لتفرض مراجعة جذرية للصورة التي رسمها الإنسان عن نفسه عبر التاريخ. فلقد أصبح الإنسان مضطرًا اليوم إلى مواجهة السؤال الذي تهَرب منه طويلًا: ما الذي يميزه حقًا؟
ولعل الجواب لم يعد يكمن في الذكاء وحده، ولا في المعرفة وحدها، بل في شيء آخر أكثر جوهرية: القدرة على توجيه المعرفة، وتسخير الذكاء، واختيار المسار الذي ينبغي أن تُوظَّف فيه الإمكانات المتاحة، أي في الإرادة.
فإذا كان الذكاء قد أصبح قابلًا للاستنساخ خارج الدماغ البشري، وإذا كانت المعرفة متاحة على نطاق غير مسبوق، فإن ما يبقى للإنسان هو قدرته على أن يريد، وأن يقرر، وأن يتجاوز قصوره الذاتي، وأن يقاوم ذلك الكسل العميق الذي لازمه عبر تاريخه الطويل. إن التحدي الحقيقي الذي يواجه إنسان هذا العصر ليس أن يصبح أكثر ذكاءً، بل أن يصبح أكثر استعدادًا لاستعمال ما يملكه أصلًا من ذكاء.
ولعل مستقبل الإنسان لن يتحدد بما إذا كان قادرًا على صناعة عقول أعظم منه، بل بما إذا كان قادرًا على الارتقاء بنفسه إلى مستوى التحديات التي خلقتها تلك العقول. فما تبقى للإنسان ليس قليلًا من الإمكانات، ولا قليلًا من المعرفة، ولا قليلًا من القدرة.
فما تبقى للإنسان هو قليل من الإرادة. وهو، حتى الآن، أكثر كسلًا من أن يُفعِّلها.
غير أن التاريخ لم يُغلِق صفحته الأخيرة بعد. ومادامت الإرادة ممكنة، فإن النهاية لم تُكتب. ومازال أمام الإنسان متسع من الوقت ليبدأ انعطافة جديدة، لا تعيده إلى الحيوان الذي كانه يومًا، ولا تتركه أسيرًا لما هو عليه الآن، بل تقوده إلى تحقيق أقصى ما هو كامن فيه من إمكانات لم تُستثمر بعد، فيكتب بذلك خاتمة أخرى لحكاية تطوره، أكثر نضجًا واتساقًا ووعيًا من كل ما سبقها.
