فائض التمثّل وعمى التناقضات… لماذا يعجز الإنسان عن رؤية ما يفعله بنفسه؟

في المقالة السابقة رأينا كيف يمكن لفائض التمثّل أن يفسد ملكة الاختيار لدى الإنسان، فيدفعه إلى تفضيل ما يضره على ما ينفعه، وإلى الدفاع عن الأوهام التي تستنزفه بدل السعي إلى ما يحقق له الطمأنينة والاتزان. غير أن آثار فائض التمثّل لا تتوقف عند هذا الحد. فثمة نتيجة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في عجز الإنسان عن تبين التناقضات الكامنة في أحكامه ومعتقداته ومواقفه القيمية.
فالإنسان لا يكتفي غالبًا بالوقوع في التناقض، بل يمتلك قدرة مدهشة على العيش داخله دون أن يشعر به، بل وقد يهاجم الآخرين بسبب سلوك أو فكرة يمارسها هو نفسه بصورة أو بأخرى، وكأن فائض التمثّل لا يحجب عنه الواقع الخارجي فقط، بل يحجب عنه نفسه أيضًا.
ولعل هذا ما يجعل الإنسان الكائن الوحيد القادر على أن يرفع شعارًا ونقيضه في الوقت ذاته. فهو قد يدعو إلى التسامح ويمارس الإقصاء، ويتحدث عن الحرية بينما يحاول فرض آرائه على الآخرين، ويندد بالتعصب وهو غارق في تعصبه الخاص، بل إن الإنسان كثيرًا ما يعجز عن رؤية التناقض بين ما يطالب به خصومه وبين ما يسمح به لنفسه.
ومن هنا يمكن فهم جانب كبير من الصراعات الفكرية والسياسية والثقافية التي تمتلئ بها حياة البشر. فالمشكلة لا تكمن دائمًا في اختلاف القيم، بل في العجز عن تطبيق المعيار نفسه على الذات وعلى الآخر.
ولعل الجدل الدائر منذ عقود بين الشرق والغرب يقدم مثالًا واضحًا على ذلك. فكثيرًا ما تُرفع شعارات الحرية الفردية والاستقلال الشخصي بوصفها قيمًا عليا ينبغي تعميمها على العالم كله. غير أن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح هو: هل نجحت المجتمعات التي تتبنى هذه القيم في حل جميع المشكلات التي يُفترض أن هذه القيم جاءت لمعالجتها؟
فالواقع يكشف أن المجتمعات الأكثر تقدمًا علميًا وتقنيًا ما زالت تعاني من أشكال متعددة من الاستغلال والعنف والتحرش والجريمة والانتهاكات التي تطال الأطفال والنساء والضعفاء بوسائل وأساليب تتطور مع تطور التكنولوجيا نفسها. وهذا لا يعني أن تلك المجتمعات أسوأ من غيرها، كما لا يعني أن المجتمعات الأخرى أفضل حالًا، لكنه يكشف عن مفارقة مهمة مفادها أن امتلاك القوة المادية والتقدم التقني لا يؤدي بالضرورة إلى حل المعضلات الإنسانية الأساسية.
ومع ذلك نرى الإنسان، في كثير من الأحيان، ينشغل بتشخيص عيوب الآخرين أكثر من انشغاله بمواجهة عيوبه الخاصة. فهو يطالب الآخرين بإصلاح ما لديهم من اختلالات بينما يتعامل مع اختلالاته هو باعتبارها تفاصيل ثانوية أو استثناءات عابرة أو أثمانًا لا بد منها.
وهنا يظهر أحد أكثر أوجه فائض التمثّل غرابة. فالإنسان لا يرى الواقع كما هو، بل كما تسمح له صورته عن نفسه أن يراه. فإذا تشكلت لديه قناعة بأنه يمثل التقدم أو الحقيقة أو الفضيلة، أصبح من السهل عليه أن يفسر إخفاقاته بوصفها حوادث عرضية، بينما يفسر إخفاقات الآخرين بوصفها عيوبًا بنيوية متأصلة.
وهكذا تتحول الصورة الذهنية إلى حجاب يَحول بين الإنسان وبين رؤية تناقضاته. فبدل أن تكون الأفكار وسيلة لفهم الواقع تصبح وسيلة للدفاع عن الهوية. وبدل أن تكون القيم أداة لمحاسبة الذات تتحول إلى أداة لمحاكمة الآخرين.
ولعل الحيوان، مرة أخرى، يقدم نقيضًا صامتًا لهذه الحالة الإنسانية المعقدة. فهو لا يمتلك منظومات أيديولوجية يدافع عنها، ولا صورًا متخيلة عن تفوقه الأخلاقي، ولا سرديات كبرى يبرر بها سلوكه. ولهذا السبب لا يحتاج إلى ممارسة هذا الكم الهائل من التبرير والتأويل والانتقاء الذي يمارسه الإنسان كل يوم.
أما الإنسان فقد أصبح، بفعل فائض التمثّل، قادرًا على بناء متاهات كاملة من المبررات التي تمنعه من رؤية ما هو ظاهر أمامه. فهو يرى التناقضات عند خصومه بوضوح شديد، لكنه يعجز عن رؤيتها في نفسه. ويدقق في أخطاء الآخرين بعدسة مكبرة، بينما ينظر إلى أخطائه الخاصة من خلف ستار كثيف من الأعذار والتفسيرات.
ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى كثير من السجالات الفكرية والثقافية والحضارية بوصفها تجليات مختلفة للمشكلة نفسها. فالمعضلة هي  ليست دائمًا في نقص المعلومات، بل في العجز عن إخضاع الذات للمعيار نفسه الذي نُطالب الآخرين بأن يخضعوا له.
إن واحداً من أخطر نتائج الانعطافة التطورية الأولى قد لا يكون هو الجهل، بل الوهم بالمعرفة. وقد لا تكون الكذبة التي نقولها للآخرين، بل الكذبة التي نقولها لأنفسنا ثم ننجح في تصديقها. وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة يصبح التناقض جزءًا من بنيته الإدراكية، ويغدو اكتشافه للحقيقة أصعب بكثير من مجرد الحصول على المزيد من المعلومات. فالمشكلة لم تعد في ما يجهله الإنسان، بل في ما يظن أنه يعرفه عن نفسه بينما هو أبعد ما يكون عنه.

أضف تعليق