
من بين أكثر الصور رسوخًا في الذاكرة الإنسانية الحديثة تلك الصورة التي خلّدها النحات الفرنسي في تمثاله الشهير . فقلّما يوجد عمل فني استطاع أن يتحول إلى رمز عالمي للإنسان كما فعل هذا التمثال. وحين زرت متحف رودان منذ زمن بعيد، كنت أظن أنني سأقف أمام تمثال يجسد العقل والتفكير والتأمل الفلسفي فحسب. غير أن ما بقي عالقًا في ذاكرتي لم يكن صورة العقل المنتصر، بل صورة الكائن المرهق الذي يحمل فوق كتفيه عبئًا يكاد يفوق طاقته على الاحتمال.
فالوجه الذي نحته رودان لا يشبه وجه المنتصرين. ولا تشع منه الثقة التي اعتدنا أن ننسبها إلى الإنسان حين يتحدث عن نفسه بوصفه سيد الكائنات وأعظم مخلوقات الأرض. بل إن ملامحه تبدو أقرب إلى ملامح من أثقلته الأسئلة وأرهقته الحيرة وطحنته الهواجس. إنه وجه يتجسد فيه الهم والوجل واللاأدرية، ويمتزج فيه الشعور بالذنب مع الحسرة والندم والأسى على ما مضى من العمر. وكأننا أمام كائن يحاول عبثًا أن يفهم نفسه، أو أن يجد مخرجًا من متاهة صنعها بنفسه ثم ضاع فيها.
ولعل هذه الصورة ليست مجرد تعبير فني عن لحظة تفكير عابرة، بل تمثل، من منظور هذه المقاربة، واحدًا من أصدق التجليات البصرية لما أسميه “فائض التمثّل”؛ ذلك التحول الإدراكي الذي أخرج الإنسان من بساطة الوجود الطبيعي إلى عالم لا ينتهي من التمثلات والتأويلات والاحتمالات والتوقعات والذكريات والمخاوف. فالحيوان يعيش في الحاضر إلى حد بعيد، أما الإنسان فيعيش موزعًا بين ماضٍ يطارده ومستقبل يقلقه وحاضر يعجز عن الإقامة فيه. ولذلك أصبح التفكير عنده نعمة ونقمة في آن واحد.
ومن هنا يمكن فهم السر الكامن في التأثير العميق الذي يتركه تمثال الإنسان المفكر في نفوس زواره. فنحن لا نرى فيه شخصًا آخر، بل نرى فيه أنفسنا. نرى تلك الحقيقة التي نقضي معظم حياتنا نحاول الهرب منها. نرى هشاشتنا التي نخفيها خلف مظاهر القوة. ونرى ضعفنا الذي نغطيه بخطابات التفوق والنجاح والإنجاز. ونرى قلقنا الوجودي الذي نحاول إسكاته بضجيج الحياة اليومية.
ولعل المفارقة الأكثر إثارة للتأمل هنا هي أن الإنسان يبذل جهدًا هائلًا لكي لا يبدو شبيهًا بهذا التمثال. فهو يحرص على إظهار نفسه في صورة الكائن المبتهج والواثق والمطمئن. ويملأ فضاءات حياته بالتعليقات المتواصلة والنكات السريعة والثرثرة الدائمة والاستعراضات الاجتماعية التي توحي بأنه بخير. غير أن هذه المحاولات نفسها تتحول، من حيث لا يدري، إلى أدلة إضافية على ما يحاول إخفاءه. فكلما اشتد السعي إلى إخفاء القلق، ازداد ظهوره بأشكال جديدة. وكلما بالغ الإنسان في تمثيل السعادة، أصبحت هشاشته أكثر وضوحًا لمن يتأمل المشهد من بعيد.
وهنا تتجلى واحدة من أعجب مفارقات فائض التمثّل. فالإنسان لا يكتفي بإنتاج الحضارات والعلوم والفنون والآداب، بل أن هذه المنجزات نفسها تتحول إلى مرايا تكشف حقيقته العميقة. إنه يكتب القصائد ليهرب من ألمه، فتفضح القصائد ذلك الألم. ويصنع الفلسفات ليطمئن إلى معنى وجوده، فتفضح الفلسفات حجم حيرته. ويبني الحضارات ليبرهن على قوته، فتشهد الحضارات على خوفه من ضعفه. وينحت التماثيل ليخلّد انتصاره، فإذا ببعضها يخلّد هشاشته بدلًا من ذلك.
ولهذا يبدو تمثال الإنسان المفكر أكثر من مجرد عمل فني عظيم. إنه اعتراف بصري نادر بما نحاول إنكاره باستمرار. فهو صورتنا الحقيقية بلا رتوش، ومن دون أي فلاتر نفسية أو اجتماعية أو ثقافية: صورة الكائن الذي أرهقه فائض التمثّل حتى أصبح يحمل العالم كله داخل رأسه. فالكائن الذي ظن أنه استطاع أن يخفي ضعفه خلف طبقات لا تنتهي من الأقنعة، فإذا بكل قناع جديد يضيف مزيدًا من الوضوح إلى الحقيقة التي يحاول الفرار منها.
وربما لهذا السبب بالذات لا يشيخ هذا التمثال. فطالما بقي الإنسان هو الإنسان، وطالما بقي أسير تلك القدرة الفريدة على تمثّل ما ليس حاضرًا أمامه، فإن وجه الإنسان المفكر سيظل يحدق فينا من صمته البرونزي الطويل، مذكّرًا إيانا بالحقيقة التي نحاول نسيانها: أننا لسنا ذلك الكائن الواثق الذي نزعم أننا عليه، بل نحن ذلك الكائن القلق الذي رآه رودان بوضوح نادر، ثم جعله تمثالاً يذكرنا كلما نظرنا إليه بحقيقتنا العارية.
