الوعي بوصفه حادثًا تاريخيًا… هل كان للإنسان يومٌ أول؟

من بين أكثر المسلمات رسوخًا في التفكير المعاصر تلك الفكرة التي تفترض أن الوعي الإنساني كان حاضرًا دائمًا بالصورة نفسها تقريبًا منذ ظهور الإنسان الأول. فحين نتخيل أسلافنا البعيدين، فإننا غالبًا ما نفترض أنهم كانوا يمتلكون العالم الداخلي ذاته الذي نمتلكه اليوم؛ وأنهم كانوا يشعرون ويخافون ويتأملون ويتساءلون بالطريقة نفسها تقريبًا، مع اختلاف محدود في مقدار المعرفة والخبرة. غير أن هذا الافتراض، على شيوعه، ليس حقيقة بديهية بالضرورة. فثمة فرق كبير بين امتلاك جهاز عصبي قادر على الإدراك، وبين امتلاك ذلك النمط الخاص من الوعي الذي يجعل الإنسان قادرًا على مراقبة نفسه، والتفكير في تفكيره، والتساؤل عن وجوده، وبناء عالم كامل من الرموز والمعاني داخل عقله.
إن السؤال الذي يستحق أن يُطرح هو: هل كان هذا النوع من الوعي موجودًا دائمًا؟ أم أنه ظهر في لحظة تاريخية معينة؟
لقد اعتادت السرديات التطورية التقليدية النظر إلى الوعي بوصفه نتيجة طبيعية للتعقيد العصبي المتزايد. فكلما ازداد الدماغ تعقيدًا ازداد الوعي عمقًا، حتى وصل في النهاية إلى صورته الإنسانية الحالية، غير أن هذا التفسير يواجه صعوبة جوهرية، فهو يفسر ازدياد القدرة على معالجة المعلومات، لكنه لا يفسر بسهولة ظهور القفزة النوعية التي جعلت الإنسان يلتفت إلى نفسه بوصفه موضوعًا للتفكير. فالحيوان يدرك العالم. أما الإنسان فيدرك أنه يدرك العالم. والفرق بين الأمرين ليس بسيطًا كما يبدو؛ فحين يصبح الكائن قادرًا على مراقبة أفكاره ومشاعره ورغباته، فإنه يدخل طورًا جديدًا بالكامل من الوجود. فالإنسان لم يعد يتفاعل مع الواقع فحسب، بل أصبح يتفاعل مع صورته عن الواقع، ومع صورته عن نفسه داخل الواقع. وهنا تحديدًا يبدأ الوعي الإنساني بمعناه العميق.
إن كثيرًا من المظاهر التي نعدها بديهية اليوم تكشف عن هذه الحقيقة. فالإنسان لا يفكر في الحاضر وحده، بل في ماضيه ومستقبله. ولا يعيش تجربته فحسب، بل يحللها ويحاكمها ويعيد تأويلها. ولا يكتفي بأن يكون موجودًا، بل يسأل عن معنى وجوده. فهو يعيش داخل مرآة ذهنية لا تنقطع عن عكس صورته إليه. ومن هنا يمكن النظر إلى الوعي بوصفه أحد أهم تجليات فائض التمثّل. فالوعي، وفق هذا التصور، ليس مجرد حالة من الانتباه أو الإدراك، بل هو قدرة العقل على إنتاج تمثلات عن نفسه وعن نشاطه الداخلي؛ فهو التمثّل وقد عاد لينعطف على ذاته. وحين يحدث ذلك تظهر الذات الإنسانية كما نعرفها، ولهذا السبب قد يكون من الخطأ النظر إلى الوعي بوصفه خاصية بيولوجية بسيطة ظهرت تدريجيًا دون حدود فاصلة. فربما كان الأمر أقرب إلى ما يحدث في كثير من الأنظمة المعقدة حين تبلغ مستوى معينًا من التنظيم، ثم تنتقل فجأة إلى حالة جديدة من السلوك. فالتحولات الكبرى لا تكون دائمًا كمية، فأحيانًا يؤدي تغير صغير إلى ظهور خاصية لم تكن موجودة من قبل. والسؤال الذي تطرحه هذه السلسلة هو ما إذا كان الوعي الإنساني قد نشأ بهذه الكيفية. فربما كان أسلاف الإنسان يمتلكون إدراكًا متقدمًا وقدرات معرفية متطورة، لكنهم لم يكونوا قد دخلوا بعد إلى عالم الوعي الانعكاسي الكامل، وربما جاءت الانعطافة التطورية الأولى لتطلق هذا النمط الجديد من النشاط الذهني.
وعند هذه النقطة تكتسب السردية القرآنية المتعلقة بالشجرة دلالة إضافية. فإذا كانت الشجرة تمثل، كما اقترحت المقالات السابقة، لحظة إطلاق فائض التمثّل، فإن أحد أهم نتائج هذا الحدث كان ظهور الإنسان بوصفه ذاتًا واعية بنفسها. فأول ما يسترعي الانتباه في القصة هو أن التحول الذي وقع بعد الأكل من الشجرة كان تحولًا في الإدراك الذاتي. ففجأة أصبح الإنسان يرى نفسه بطريقة مختلفة، وفجأة أصبح موضوعًا لوعيه الخاص. وهذا ما يجعل القصة أقرب إلى وصف لحظة ميلاد الذات الإنسانية منها إلى مجرد سردية أخلاقية عن المخالفة والعقاب. فهي تصف انتقالًا من الوجود البسيط إلى الوعي بالوجود، ومن الحضور داخل العالم إلى النظر إلى الذات داخل العالم، ومن الحياة إلى التفكير في الحياة. ولهذا يمكن طرح سؤال قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى: هل كان للإنسان “يومٌ أول”؟
ليس المقصود “يومًا أولاً” بالمعنى البيولوجي، فالجسد الإنساني له تاريخ تطوري طويل سبق هذه اللحظة بآلاف الأجيال، وإنما المقصود “يوم أول” بالمعنى الوجودي؛ وهو “اليوم” الذي ظهر فيه الكائن القادر على أن يقول: “أنا”. وهو “اليوم” الذي أصبح فيه الإنسان قادرًا على أن يتأمل ذاته بدل أن يكتفي بالعيش من خلالها. وهو “اليوم” الذي بدأ فيه التاريخ الداخلي للإنسان.
إننا لا نستطيع تحديد هذه اللحظة زمنيًا بدقة، وربما لن نستطيع أبدًا، لكن مجرد التفكير في إمكان وجودها يغير طريقة فهمنا للإنسان كله. فعندئذ لا يعود الوعي مجرد خاصية ثابتة رافقت النوع البشري منذ بدايته، بل يصبح حدثًا تاريخيًا له شروطه ومقدماته ونتائجه. ويصبح السؤال عن أصل الإنسان سؤالًا عن أصل الوعي أيضًا، بل ربما يصبح السؤالان سؤالًا واحدًا. فما يجعل الإنسان إنسانًا ليس جسده وحده، ولا دماغه وحده، بل ذلك العالم الداخلي الهائل الذي نشأ حين بدأ العقل يعكس صورته على نفسه. ومنذ تلك اللحظة لم يعد الإنسان مجرد كائن يعيش في العالم، وإنما أصبح الكائن الذي يسأل عن العالم، والكائن الذي يسأل عن نفسه، والكائن الذي لا يستطيع التوقف عن التساؤل. وربما كانت هذه القدرة، أكثر من أي شيء آخر، هي الأثر الأعمق للانعطافة الإدراكية الأولى التي غيرت مسار الحياة على الأرض إلى الأبد.

أضف تعليق